دعوة الرئيس محمود عباس للحوار وترحيب «حماس» بها؛ تطل منهما، أخيراً وبعد طول انتظار، علامات صحوة. الانشقاق، الذي مضت عليه سنة، كبرت فاتورة كلفته. زادت عن قدرة الوضع الفلسطيني على الاحتمال. في ظلّه، ترنّحت المفاوضات وتبخّرت وعود أنابوليس وما قبله وبعده. وفي ظلّه أيضاً تمادت إسرائيل في حصار غزة، الذي يكاد يخنق القطاع والذي تعذّر رفعه.

الخلاف الفلسطيني الداخلي، ساهم في مراكمة الخسائر؛ على الجبهتين. الثنائي الإسرائيلي ـ الأميركي، عمل على توظيف ورقة هذا الخلاف، إلى أبعد الحدود. الآن، ثمة محاولة واستعداد للاستدراك والمراجعة، من الجانبين، على ما يبدو. خطوة جديرة بالتأييد والدعم؛ ولو أنها متأخرة وجاءت تحت الاضطرار. لكن المحك يبقى في ترجمتها على أرض الواقع.

خطاب الرئيس عباس، الذي تضمن الدعوة، ملفت من ناحيتين: جدّيته وتوقيته. الأولى تتجلى في طرحه لشمولية الحوار وخلوّه من أية شروط مسبقة. وبذلك هو يفتح الطريق، على وسعها، أمام قطار الحوار الهادف والمثمر، لاسيما وأنه قد حدّد الأطر التي سبق وحصل توافق حولها، لهذا الحوار.

الأمر الذي يسهل الدخول مباشرة في آليات التنفيذ؛ وبما يحقق السرعة في العودة إلى أحضان الوحدة الوطنية؛ التي «تشكل ضمانتنا الأقوى»؛ على حدّ ما قال. هذه الوحدة كانت وما زالت وستبقى، الورقة الأقوى، بيد الطرف الفلسطيني.

وهنا أهمية الدعوة، باعتبارها، ليست فقط إعادة اعتبار للأصل وتجديد التأكيد عليه؛ ولكنها أيضاً ناتجة عن تجربة محبطة مع عملية تفاوض، ما أرادت منها إسرائيل سوى حرق الوقت. وبنفس القدر، تكتسب هذه الدعوة أهميتها من توقيتها.

فهي تأتي في لحظة يقين بأن الإدارة الأميركية لم تعد في وارد حتى الاهتمام، في هذا المسار؛ بعد أن تملّصت من وعودها وبلعت كل كلامها المعسول عن ما يسمى بفكرة الدولتين؛ التي تبيّن أنها ما كانت تعني بها شيئاً يتجاوز التصاميم، المفصّلة على المقاسات الإسرائيلية.

كل ما في جعبة إدارة بوش، كان تزويد إسرائيل بالمزيد من الأسلحة المتطورة، والتي أعلن عنها، خلال زيارة أولمرت الموجود الآن في واشنطن. وبنفس القدر من الأهمية، كان تجاوب «حماس» مع دعوة الرئيس. لغة الترحيب، انطوت على قدر مواز من الانفتاح والاستعداد للتلاقي. والمشجّع أن الحركة تلتزم بذات الأطر التي أشار إليها الرئيس عباس.

الواضح أن ثمة إدراك لدى الفصيلين بأن تجربة عام من الفراق، أوصلت إلى طريق مسدود؛ وأنه لا بديل عن إعادة وصل ما انقطع. لكن على أهميته، يفقد هذا الإدراك قيمته إذا لم يستكمل بترجمته عل الأرض وبأسرع ما يمكن. فرصة أخرى لا عذر لإضاعتها.