منذ فترة طويلة والمفكرون مشغولون بقضية الحوار بين الحضارات، ولا يكاد ينفضّ مؤتمر حول هذا الموضوع حتى نفاجأ بمؤتمر يتناول الموضوع نفسه، حتى برامج الإذاعات والفضائيات أصبحت أيضا تستقطب مثل هذه الموضوعات الرائجة. وكأن مشكلات العالم المتفاقمة عبر حقب متطاولة قابلة للحل في ندوة أو مؤتمر مهما توافر من حسن نوايا المتحاورين ورغبتهم في الوصول إلى تفاهم حول قضايا معقدة تشكلت من خلال عوامل متعددة وراكمت رواسب كثيرة لا يعلمها إلا الله وحده.

أقول هذا ونحن نرى كثيرا من المؤتمرات حول حوار الحضارات وحوار الثقافات وحوار الأديان، والعلاقة بين الأنا والآخر، حتى تبدو الحماسة أحيانا بين منظمي هذه المؤتمرات والندوات وضيوف الحلقات قادرة على اجتراح الحلول العتيدة بين عشيّة وضحاها.

وقد لفتني قبل أيام برنامج على إحدى الفضائيات يناقش موضوع دور الدين في إحلال التسامح والمحبة والرحمة بين الشعوب أو دوره في إذكاء العصبيات والكراهية وروح الانتقام. وكان الموضوع يتناول الموقف من الدين بين الأصول أو المبدأ أو المثال وبين التطبيق في الواقع على صعيدي الفكر والسلوك. وكان من الطبيعي أن يخرج المتحاوران أو المتحاورون بلا نتيجة، لأن كل واحد منهم سيتشبث برأيه ولا يتنازل عن شيء منه قيد أنملة.

إن مئات المؤتمرات حول صراع الحضارات أو الثقافات أو الأديان أو الحوار بينها لن تكون لها نتائج فعلية ـ في رأيي ـ إذا كانت القواسم المشتركة غائبة بين الأمم، أو كانت العناصر الأساسية داخل كل حضارة غيرة متوافرة ليكون المحاور ندّا للمحاور الآخر يرغب في التفاهم معه والتعايش باعتبار التفاهم والتعايش خيارا مبدئيا.

ولعل هذا ينطبق على الحضارة العربية الإسلامية أكثر ما ينطبق هذه الأيام، لأنها تحاور الآخر بعيدا عن الندّية، وأبرز ما في الندّية عنصر القوة الذاتية، أو بكلمة أخرى، عناصر القوة الذاتية.. فكيف يمكن أن ينشأ حوار مقنع بيننا وبين الحضارات الأخرى بعيدا عن أساس القوة المتين الذي يجعل الآخر يضع في بؤرة وعيه أهمية حوارنا ومناقشتنا بغية إقامة تفاهم معنا يقوم على احترام الذات والمصلحة معا.

وعلى هذا النحو، لابد من محاولة البحث عن عناصر القوة فينا، ومحاولة تنميتها والاستفادة منها. وقد يتواضع بعض بني جلدتنا فيتحدث عن القوة المعرفية أو الفكرية أو الأخلاقية التي تتجسد في الحضارة العربية الإسلامية حاليا، أو تلك التي تجسدت في الماضي.

ولكن لا يوجد عاقل في عالمنا المعاصر الذي يعيش فيه الناس بالناب والمخلب لا يضع في اعتباره القوة المادية ووسائل اكتسابها، والعوامل التي يجب أن تتوافر لدينا حتى تصبح هذه القوة المادية مؤسسية لا تضيع بعثرة عاثر أو خطأ مخطئ أو حساب لا يحسن الحساب.

إنّ الحوار أمر مرغوب فيه في كل وقت، وإن الحياة لا تسلم إلا إذا قامت على التفاهم والتسامح والتفاعل مع الآخر، ولا تزكو إلا بتغليب مصلحة الإنسانية ومستقبلها ومستقبل أجيالها من الذين يحنون إلى العيش في عالم الكرامة والعدالة والحرية والسلام، ولكننا لا يمكن أن ننسى من خلال دروس التاريخ، ومن خلال تراث الفكر الإنساني أنّ الصراع سمة من سمات الحياة الإنسانية.

وأنّ مفاصل التاريخ الأساسية كانت محمّلة بحالات من الصراع الشرس، ولم يكن من مخلّص من آثار الصراع إلا وجود النديّة والقوة المستنيرة المتدثرة بالمبادئ التي تغلّب المصلحة الإنسانية وتنأى عن العنصرية البغيضة التي تفرّق بين الناس من خلال ما يفرّق، ولا تعظم الجامع والقاسم المشترك.

إننا ندعو إلى الحوار والتفاهم، ولكن الحوار يظلّ ترفا في ظل اختلال ميزان القوى بين القوي والضعيف، بين الآخر والأنا، بين الحضارة الغربية المتغوّلة بالسلاح والمال والإعلام والفكر العنصري والحضارة العربية الإسلامية في وقتنا هذا، المستخذية التي تعطي الطاعة والخضوع عن يد، وتستر عريها الفاضح عن طريق حوار غير متكافئ، لا يغني ولا يسمن من جوع.

فلابد من التماس عناصر القوة المادية والمعنوية، ولابد قبل ذلك من التماس عناصر القوة الأساسية في بناء مجتمع مدني متماسك، يندفع بقوة لحماية الأمن الوطني والقومي بعيدا عن الاجتهادات الفردية الضيقة.

إننا في سعينا الحثيث والمبالغ فيه للحوار مع الآخر مدفوعين برغبة محمومة أن نظهر له أننا متحضرون ونملك القدرة على التقبل والتعايش معه، ننشغل بالمهم عن الأهم، فنحن لا ننظر إلى القضية من زاوية ماذا نحتاج نحن؟ وما الذي يرضينا ويدفع عنا الشرّ والضعف والخذلان؟

ولكننا ننظر إلى القضية من زاوية ماذا يريد الآخر منا؟ وما الذي علينا أن نفعله لنرضيه ونثبت له أننا نقع ضمن دائرة مقاييسه التي ارتآها للتحضر والتمدن؟ فلماذا لا ننشغل بأنفسنا قبل أن ننشغل بالآخر؟ ولماذا لا نعمل على أن نمتلك عناصر القوة بكل تنوعاتها المادية والمعرفية امتلاكا حقيقيا كاملا، لا امتلاكا شكليا لا ينفك عن الحاجة الدائمة إلى الآخر في تمكيننا من الاستفادة منها وتوظيفها؟

إنّ شكل الحوار وطريقته ستختلفان حينئذ لا محالة، ولن تكون الصورة كصورة من يركض خلف سيده ليثبت له أنّه لائق جدا حسب المواصفات التي وضعها هذا السيد للياقة والتحضر. الانشغال بتعزيز قوتنا الذاتية وحل مشكلاتنا المزمنة الكثيرة خير لنا وأولى.

ولا يعني ذلك رفض الحوار مع الآخر أو إغلاق بابه، فهذا أمر مستمر ممتد في الزمن لم يتوقف. ولكن لمَ نجعله هو المقدم الراسخ في بؤرة وعينا المقلق لنا في حين أنّ هناك شيئا آخر أهم أولى لنا أن نلتفت إليه ونعمل عليه بصمت وإصرار ووعي وإرادة؟.

جامعة الإمارات

ltfibrahim@yahoo.com