فوز باراك أوباما بالترشيح الرئاسي، عن الحزب الديمقراطي، حدث تاريخي. يأخذ هذا الحجم، من كونه تطوراً غير مسبوق؛ في سيرة الرئاسة الأميركية.
معه انكسر احتكار مزمن ومتجذر، عمره من عمر الولايات المتحدة. وبه تخلصت العملية الانتخابية الأميركية، من إحدى أكبر عيوبها. تخلصت، على الأقل حتى هذه النقطة، من وصمة عنصرية؛ رافقتها من البداية. لذا، وصوله، يبقى محطة فارقة. بصرف النظر عما يتلوه، على المديين البعيد والقريب.
فلأول مرة يقود أميركي من الأقليات؛ وبالتحديد من الأميركيين السود، أحد الحزبين الرئيسيين، في معركة الرئاسة. لأول مرة، يتنافس أسود ضدّ أبيض، على البيت الأبيض. مغادرة لنمط متوارث، أضحى بمثابة قاعدة، على مدى أكثر من قرنين من الزمن. وهذا ليس بالأمر القليل.
فلم يكن من المتوقع، حتى قبل سنة، أن تقوى شخصية، شبه مطمورة مثل المرشح أوباما؛ على اختراق هذا الشواذ وتحطيمه. فهو عضو جديد في مجلس الشيوخ. لم يكمل بعد فترته الأولى، ست سنوات. غير متمرس في لعبة السلطة في واشنطن. جديد على الكار الرئاسي.
علاقاته مع المؤسسة النخبوية، بالكاد في بداياتها. والملفت أن أوباما وصل إلى موقع الترشيح، على قاعدة، واسعة ومتنوعة. جزء كبير منها، ناله من أصوات الأميركيين البيض. وفي ولايات محسوبة على الخندق التقليدي الموروث؛ بحكم أن غالبية سكانها هم من البيض المتصلبين عرقياً.
كذلك من الملفت أن شريحة واسعة من نخبة مؤسسة الحزب الديمقراطي، سواء في الكونغرس أو خارجه، مثل الرئيس الأسبق كارتر ومستشاره بريجنسكي، فضلاً عن عدد من حكام الولايات ومن أعضاء مجلس الشيوخ ووزراء سابقين؛ توالوا في إعلان تأييدهم لهذا المرشح.
علماً بأن معظمهم عمل مع الرئيس كلينتون وكانوا من المعجبين به، أو المؤيدين له. لكن لم يعطوا زوجته ما سبق وأعطوه له. طبعاً المقارنة بين أوباما وبين السيناتور كلينتون، لعبت لصالحه. لا شك أيضاً أن شخصيته، كان لها دورها في جذب الثقل الحزبي نحوه.
فهو صاحب كاريزما، تلعب عادة دورها المؤثر في الانتخابات الأميركية. خطيب ملفت ومقنع. يجمع في شخصه ما يكفي من المواصفات الإيجابية، في مخاطبته لجمهور الناخبين. صحيح أنه حسم معركة الترشيح بفارق ضئيل. لم تكن سهلة. لأول مرة لم تحسم قبل هذا الوقت من الجولة التمهيدية.
لكن في ضوء الخلفية والظروف التاريخية المعروفة، كان فوزه؛ لامعاً. بنزوله إلى المعمعة، قدّم باراك خدمة لبلاده. باختياره كمرشح رئاسي، قدّم الحزب الديمقراطي، بأغلبيته، خدمة أكبر لأميركا. أعطى بذلك البرهان بأنها بلغت سنّ النضج الذي يسمح بكسر القوالب العنصرية الجامدة. هل تكافئ أميركا أوباما بإيصاله إلى البيت الأبيض؟
