طغت في السنوات الأخيرة إشكالية حقوق الإنسان والحوار بين الأديان على الساحة السياسية والدبلوماسية والإعلامية العالمية وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور القطبية الأحادية والعولمة.

وكثر الكلام حول إشكالية الإرهاب وصراع الحضارات وأصبح التصادم والحروب والنزاعات هي السبيل بدلا من التدافع والتكامل والتسامح.

وهناك مد وجذب كبيرين هذه الأيام حول حقوق الإنسان وحوار الأديان خاصة بعد التهم والشبهات الموّجهة لبعض الأديان كالدين الإسلامي وعلاقته بإقصاء الآخر واستعمال العنف والإرهاب، أو كاتهام أو تصنيف بعض الدول المغلوب على أمرها بانتهاكها لحقوق الإنسان وعدم احترامها للحريات الفردية. الصراع هذه الأيام قائم لأن كل طرف يتشبث بوجهة نظره ولا يحاول فهم الآخر ومحاورته.

وهنا نلاحظ أن وسائل الإعلام العالمية بمختلف أنواعها، بدلا من أن تعمل على نشر ثقافة الحوار والتعريف بالآخر وديانته وحضارته وثقافته تركز على نشر الصور النمطية والتشويه والتضليل والتعتيم. وهكذا نلاحظ أن الصورة التي تعطيها وسائل الإعلام عن الإسلام والمسلمين والحضارات والثقافات الأخرى هي صورة بعيدة كليا عن الواقع والحقيقة. والنتيجة هي أن الإسلام في الخيال الشعبي الغربي أصبح مرادفا للإرهاب والإقصاء وعدم الاعتراف بما هو غير مسلم.

قبل قرن ونصف تعامل الأمير عبدالقادر مع قضيتي حقوق الإنسان وحوار الديانات وأسس ونظر للمصطلحين وساهم في ممارستهما في أرض الواقع، وهذا قبل معاهدة جنيف والإعلان العالمي لحقوق الإنسان بفترة زمنية معتبرة. قبل أيام تم تنظيم ملتقى دولي في الجزائر العاصمة عن الأمير عبدالقادر بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاده.

الملتقى جاء تحت عنوان «الأمير عبدالقادر وحقوق الإنسان: منظور الأمس ومنظور اليوم» ليعطي للرجل حقه فيما قدمه للإنسانية من دروس في التسامح والتعايش السلمي والأمن والاستقرار واحترام حقوق الإنسان.

الأمير عبدالقادر يعتبر رجل الإنسانية جمعاء، شعوب العالم أينما كانت وأينما وجدت. الأمير عبدالقادر كان يحترم الإنسان مهما كانت ديانته وثقافته وجذوره. فابتداء من سنة 1837 قام الأمير بتحديد مفهوم حقوق المستضعفين والأسرى وجرحى الحرب والمعطوبين والسجناء وقام بتقنين هذه الحقوق التي كانت مجهولة تماما آنذاك. فالأمير عبدالقادر قام بصياغة مرسوم يمنع على جنوده المساس بكرامة الأسرى وبسلامتهم الجسدية كما يحظر تعذيب الأسرى وقتلهم.

كما يشهد التاريخ للأمير عبدالقادر مخاطرته بحياته وموقفه الشجاع عندما تدخل سنة 1860 في دمشق ليضع حدا للصراعات الطائفية التي وقعت بين المسلمين والمسيحيين حيث ساهم في إنقاذ 12000 مسيحي.

الإنتاج الفكري للأمير عبدالقادر ومواقفه السياسية فيما يتعلق بحوار الديانات والحضارات والتعايش السلمي مع مختلف الشعوب والدول، إلى جانب فكره وأيديولوجيته وعمله في الميدان يمثل أدلة قاطعة تفند مختلف الإدعاءات والصور النمطية والأفكار التضليلية والتشويهية التي تُشن ضد الإسلام والمسلمين والعرب هذه الأيام. كما أنها تؤكد من جهة أخرى أن للعرب والمسلمين تاريخ في التسامح والتعايش السلمي واحترام الديانات والحضارات الأخرى. ما قام به الأمير عبدالقادر في دمشق ساهم في انقاد آلاف الأرواح كما جنب البشرية جمعاء حربا صليبية لو حدثت لكلفت البشرية الكثير.

يعتبر أسقف الجزائر « هنري تيسييه» الأمير عبدالقادر من المؤسسين الأوائل لفكر وثقافة التسامح ما بين الديانات ولحقوق الإنسان واحترام الشعوب والحضارات. فالأمير كان سباقا إلى احترام القانون الدولي الإنساني قبل توثيقه، الأمر الذي يجعله الرائد في التنظير للقانون الإنساني ومنشد الحوار بين الديانات ومفكر في الحداثة.

فالتاريخ يشهد للأمير عبدالقادر قدرته على التأسيس لثقافة التسامح والتعايش السلمي حتى في زمن الحرب هذا من جهة، ومن جهة أخرى استطاع الأمير كذلك أن يؤسس لثقافة حقوق الإنسان واحترام المستضعفين والمغلوب على أمرهم، واعتبار الفرد إنسانا بعيدا عن كل المعايير والمقاييس التي قد تتناقض جملة وتفصيلا مع إنسانية الإنسان وآدميته وكرامته. فالإنسان يبقى إنسان مهما كان لون بشرته أو ديانته أو ثقافته وحضارته.

في دمشق عُرف عن الأمير عبدالقادر تسامحه وورعه وتقواه، حيث أن بيته كان ملاذا لأكثر من 12 ألف مسيحي احتموا به من ويلات الطائفية والفتنة التي شهدتها بلاد الشام عام 1860، وهذه الواقعة التاريخية كانت الصورة الحقيقية المجسدة لبداية فكر الأمير عبدالقادر في الحوار بين الأديان والتعايش السلمي بين شعوب العالم، ما جعل القساوسة المسيحيين وملوك ورؤساء الدول العظمى آنذاك يعترفون له بالجميل ويقدمون له هدايا.

يوصف الأمير عبدالقادر، الذي يجهل الجزائريون وغير الجزائريين، الكثير عنه بأنه «ملحمة الحكمة» حيث إنه كان محارباً صوفياً وشاعراً ورجل دولة وحاكماً إدارياً ومتصرفاً مالياً ومفوضا ودبلوماسيا.

مجال تأثير الأمير ما زال نشيطا بفضل الكم الهائل من النتاجات الأدبية والفكرية والسياسية والتاريخية التي تؤكد على أن مواهب الأمير متعددة. شخصية الأمير عبدالقادر التي لا تزال مجهولة عند الكثيرين، شخصية بدوية طرقية محافظة لكنها تعاملت مع العالم بانفتاح كبير دون أن تتخلى على قيمها ومبادئها.

فقبل أزيد من 150 سنة وضع الأمير عبدالقادر الأسس والمبادئ التنظيمية والتشريعية لحقوق الإنسان ولاحترام البشر مهما كانوا ومهما اختلفت ألوانهم ومعتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم. كما آمن الأمير عبدالقادر بالتعددية الدينية والهوية الدينية والتسامح حيث أنه كان يؤمن بالتقارب بين الشعوب والحضارات والديانات والتسامح والحوار بدلا من التصادم والصراعات والنزاعات.

جامعة الشارقة

mokirt@sharjah.ac.ae