مقال الدكتور عبدالله ناصر الفوزان في صحيفة الوطن السعودية بتاريخ 19 مارس 2008 بعنوان (لست مستشاراً للحكومة)، يسلط الضوء على خلل كبير في فهم دور الصحافة ومسؤولية الكاتب وأهمية الكتابة الناقدة في مجتمعاتنا العربية.

يشرح الفوزان في مقالته أنه كثيراً ما يسمع من يقترح عليه أن يقدم آراءه ومقترحاته مباشرة للمسئولين بدلاً من الكتابة عنها في الصحافة كما لو أنه كان مستشاراً حكومياً أو كما لو أن الكتابة في الصحافة عن هموم الناس وشئونهم «نصيحة» يجب أن تقدم سراً للمسئول!

من المحزن أن فكرة «النصح بالسر»تحولت إلى «كليشية» تتردد في دوائر كثيرة وهنا خلط كبير بين «الشخصي» و «العام». فإن تنصح ابنك أو صديقك في قضية خاصة أو إزاء ممارسة خاطئة فأنت أمام ممارسة مختلفة عن دور الكاتب الناقد أو الصحافة المسئولة. ومقال أستاذنا القدير عبد الله الفوزان هو - في رأيي - محاولة مهمة لإعادة صياغة مفهوم الكتابة الصحافية والعمل الصحافي بعد أن فشلت المدرسة الصحافية في المنطقة عموماً في تأصيل دور الصحافة كعين تراقب مواطن الخلل والقصور.

هل أسست الصحافة العربية (و الخليجية تحديداً) مفهوم الكتابة الناقدة ومسؤولية الصحافة كرقيب يقظ على أداء المؤسسات التنفيذية أم أنها ابتكرت مفهوماً مغايراً للصحافة فأعادت ثقافة «شاعر القبيلة» المدمن على مدح قبيلته، في السراء والضراء، أو هجاء خصوم القبيلة بالحق والباطل؟

كلام الدكتور الفوزان في محله فالكاتب ليس مستشاراً حكومياً أو مستشاراً لمؤسسة خاصة كي يقدم النصيحة والاستشارة في دوائر مغلقة. والكاتب الذي يحترم مهنته ويدرك حجم مسؤوليته لابد أن يدرك أهمية النقد وبالتالي يهيئ نفسه لدفع ثمن الخروج عن لغة المديح الممجوج. والكتابة الناقدة هي نافذة مهمة لصانع القرار ليس فقط لمعرفة مشكلات الناس وقضاياهم ولكن ربما في إصلاح الأوضاع السيئة وبالتالي قطع الطريق أمام مزيد من المشكلات والتحديات.

كثيراً ما سمعت نفس «النصيحة» التي سمعها الدكتور عبد الله من مسئولين وأصدقاء وغرباء متمنين أن أنقل رأيي أو نقدي للمسئول المعني بعيداً عن الكتابة الصحافية. هذه النصيحة التي أكاد أجزم أن عدداً كبيراً من كتاب الرأي الناقد في صحافتنا الخليجية يسمعها باستمرار تعكس أن ثمة حاجة ماسة لإعادة شرح مفاهيم الناس عن دور الصحافة ومسؤوليتها وعن الكتابة الناقدة وأهميتها لأي مجتمع.

أضيف إلى النصيحة تلك سؤالاً آخر كثيراً ما أسمعه وهو: أين الحل؟

هناك من يعتقد أن الكاتب الذي لا يملك حلا للمشكلة التي يكتب عنها جدير به أن يصمت فلا يكتب عن المشكلة إلا إذا وجد لها حلا. فإن لم يكن لدي حل ناجع لمشكلة التضخم فلست مؤهلاً حتى للإشارة للمشكلة. وإن لم يكن لدي حل عاجل لقصور الأداء في جهاز ما فما علي إلا أن «أبلع» المشكلة وألتزم الصمت حتى يأتيني الله بالفرج وأكتشف حلاً للمشكلة.

وهنا أكرر فكرة الدكتور عبد الله الفوزان وأصر على أن واحدة من مهام الكاتب أن ينبه لمواطن الخلل والقصور وهو - أي الكاتب - ليس معنياً بإيجاد الحل إن كان لا يعرفه وليس معنياً بحماية المسئول من الحرج حينما يكشف عن قصور جهازه.

هذه المفاهيم تعد من أبسط مفاهيم العمل الصحافي في المجتمعات التي تشكل للصحافة فيها كيان من الحرية والاستقلالية حتى صارت جديرة بأن تكون فعلا سلطة رابعة، صحافة تعبر عن هم المواطن بالدرجة الأولى وتصبح عيناً على مواقف الخطأ والقصور في مجتمعها.

أما البحث عن «الحل» فهو مسؤولية أخرى تعنى بها جهات (مؤسسات) أخرى وليس شرطاً أن نعرف حلاً لأي مشكلة كي نكتب عنها إذ إن الإشارة إليها أو الكشف عنها مسؤولية مهمة يجب أن تتصدى لها الصحافة وكتاب الرأي.

ليسمح لي زملائي في الوسط الصحفي أن أشير هنا إلى أن واحداً من مصادر الإحباط تجاه الأداء الصحفي في المنطقة هو جهل كثير من المنتسبين للصحافة بمسؤولية الصحافة وأهمية الكتابة الناقدة ربما لأن المدرسة الصحافية التقليدية أسست لمفهوم مغاير للصحافة، مفهوم يقوم على المديح وغض الطرف عن بعض الأخطاء وإقصاء الأصوات الناقدة. لكن الحاجة التنموية لمجتمعنا اليوم تشترط صحافة جريئة في طرحها ومسئولة في رؤيتها وأدائها.

والنقد (كمفهوم) لا يعني إطلاقاً تقويض القائم أو مواجهة المجتمع لأن المطلوب الآن - وفقاً للمتاح - أن تسهم الصحافة عن طريق النقد في كشف المخاطر والتعبير - قدر الممكن - عن هموم الناس وتطلعاتهم.

ولكي يتأصل مفهوم النقد البناء في وعينا علينا أن نشجع دائماً الأصوات الناقدة في مجتمعنا كي تصبح الكتابة الناقدة هي السائدة بعد هيمنة خطاب صحفي يبالغ في وصف المنجز والاحتفاء به ويتجاهل كثيراً تطلعات الناس وشجونهم. وإن لم نفعل فلن نجد في مجتمعنا - في الغد القريب - من يأخذ إعلامنا مأخذ الجد في زمن تتيح فيه عولمة الإعلام بدائل كثيرة سيهرب نحوها من تضيق به السبل المحلية لممارسة أبسط حقوق التعبير والنقد.

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu