كلمة الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أمس، أمام مؤتمر الأمن الغذائي في روما؛ كانت بمثابة نداء تحذير وتحفيز. مشكلة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، تتفاقم وتهدّد ملايين البشر بالجوع. على الأقل 22 دولة فقيرة، يحوم فوقها هذا الشبح. والحبل على الجرّار.

هذا المؤتمر الذي دعت إليه منظمة الصحة والغذاء الدولية، «الفاو»، يأتي في سياق التحركات والمداولات الجارية، مؤخراً، تحت شعار الحرب على الجوع. عنوان يشير،بحدّ ذاته، إلى خطورة المشكلة - التحدّي، غير المسبوقة. المجاعات تحصل في زمن الحروب، أو الكوارث الطبيعية، أو الجفاف غير الاعتيادي. في هذه الحالات يضرب الشحّ والغلاء، وبالتالي يهدّد الجوع؛ المناطق المنكوبة وحدها.

أما اليوم فالموجة تصيب الجميع. الظاهرة عالمية. طبعاً لا يتساوى الكل في لسعة الغلاء؛ أو في تعذّر الوصول إلى المواد الغذائية، الأساسي منها بخاصة. المنتج والمقتدر، غير المستورد والمعوز. يزيد الطين بلّة، أن الدائرة تكبر؛ وأن الفجوة بين الفئة الأولى والثانية، تزداد اتساعاً.

المناطق الفقيرة، باتت تشكو من أزمتين: القحط الزراعي، لأسباب مناخية وتقنية وابتعاد الإمكانات الاستثمارية عنها؛ ثم قصر ذات اليد، لأسباب تتعلق بالنمو، المعدوم تقريباً؛ وبوقوعها، عموماً، تحت أعباء مديونياتها المالية. تندرج في هذا السياق،الشروط المكبلة التي يفرضها البنك الدولي على الدول الدائنة، مثل إرغامها على وقف دعمها للزراعة الوطنية؛ وإلزامها على فتح أسواقها أمام المنتجات الزراعية الأجنبية، بتعريفات منخفضة.

هي الآن، وفق تقديرات الأمم المتحدة، بحاجة إلى مساعدات مستعجلة، بقيمة 750 مليون دولار؛ لوقف زحف شبح الجوع؛ كما إلى مساعدة زراعية بمليار دولار، لشراء البذور. لكن عالمية الغلاء وهجوم خطر المجاعات، ليس صناعة المناخ وقصور المناطق الفقيرة وارتفاع أسعار الطاقة، فقط. قد يكون لهذه العوامل، منفردة ومجتمعة، دورها في الأزمة. لكن ليس الدور الرئيسي.

وإذا كان لها من تأثير، فما كان له أن يظهر بهذه السرعة ولا بهذه القفزة الصاروخية. تفسيرات معظم الخبراء، خاصة في الأمم المتحدة، تتجه إلى أسباب أخرى. بل هي تشير بإصبع الاتهام إلى سياسات معينة، تراها مسؤولة عن جنون الأسعار. على رأسها التحوّل الذي جرى باتجاه المنتجات الزراعية الأساسية، مثل الذرة ، لاستخراج الطاقة البديلة. الرئيس بوش من أول من دفع نحو هذا التحوّل. نقص العرض أدّى إلى تحليق أسعار البدائل. القمح ارتفع 83% منذ يناير.

وكرّت السبّحة. الاحتكارات أيضاً كانت بالمرصاد لاغتنام مثل هكذا ظرف. أكثر من سلعة طالتها نيران الأسعار، بحجة أن الموجة عامة، لم توفر حتى السلع التي لا تشكو من قلة العرض. الدعوة إلى رفع الاستثمارات الزراعية إلى ما بين 30 و 50 مليار دولار سنويأ، من أجل مضاعفة السلع الغذائية ، مع عام2050؛ هو أقل المطلوب. المبلغ جزء يسير، مقارنة بما ينفق على التسليح السنوي، في العالم؛ والذي يتجاوز ثلاثة أرباع تريليون دولار؛ من المعيب أن تستخدم مواد غذائية للاحتراق وليس للحياة. ومن الأكثر عيباً أن تتقدم السياسة على لقمة العيش.