قديماً لاحظ الفلكيون المصريون، طيلة مئات من السنين التي سجلوا فيها الأحداث الفلكية، أن كسوف الشمس وخسوف القمر يتبعان دورة تستغرق ثمانية عشر عاماً وأحد عشر يوماً، تقريباً، لكي تكتمل. كما اكتشفوا أن كل خسوف يُشكّل جزءاً من سلسلة من الخسوفات تتغير فيها تدريجياً مواقع: الشمس والقمر والأرض بالنسبة إلى بعضها، وذلك نتيجة تغير بطيء غير منتظم. وهذه الدورة وتسمى »الساروس« احتفظ كهنة المعابد الفرعونية بأسرارها ضمن سائر المعارف العملية الأخرى.
ومنحتهم هذه المعرفة بالأسرار قوى مدهشة، ظاهرياً، على التنبؤ، بل على التحكم الظاهري في السماوات، إذ كان بوسعهم أن يتنبأوا بأن الإله الشمس سوف يحتجب نتيجة المعاصي التي يرتكبها الشعب. فإذا ما حدث الكسوف أمكن الكهنة أن يبشروا باستعادة الشمس، وفق شروطهم الخاصة.
هكذا كان الساروس يحكم حياة قدماء المصريين ولا تكاد توجد أمة إلا وفي تاريخها القديم »ساروس« على نحو ما، ومع سيادة العقل وانتشار الكتابة وحدوث التراكم المعرفي العلني المتاح للناس أصبح هناك إمكانية للتنبؤ بالمستقبل ـ ولو جزئياً ـ دون سقوط في فخ الكهانة والاستسلام للخرافات. لكن المجتمعات التي لم تزل تعيش بعقلية الكهانة يمكن ببساطة شديدة أن تسقط في أسر ما هو أخطر من الكهانة وهو التفكير بالتمني، وكلاهما تغييب إرادي للحقيقة، فعندئذ تصبح نتائج التفكير محددة مُسبقاً ويتحول التفكير إلى تبرير لما نريد.
ومن يتأمل الخطابين: الإعلامي والتحليلي العربيين في تعاملهما مع النتائج المتوقعة للانتخابات الأميركية المنتظرة يجد وجهين لعملة واحدة كليهما مؤشر خطر على الدرجة التي وصل إليها تغييب العقل العربي. فمن ناحية هناك نوع من التزييف المتعمد لصورة الديمقراطية الأميركية لتأكيد أنها تشبه الديكتاتوريات التي تحكم العالم الثالث.
ولا تختلف عنها إلا في الأقنعة، وبالتالي فإن جماعات الضغط (اللوبيات) هي الحاكم الحقيقي وأجهزة الإعلام ألعوبة في يد الصهاينة والانتخابات مجرد لعبة يتم حسمها فعلياً في غرفة مظلمة لا تختلف كثيراً عن الغرف المظلمة التي كان يجتمع فيها كهنة الساروس قديماً، أو تلك التي تدير منها أجهزة الأمن السياسي »تمثيلية« الانتخابات الهزلية في كثير من دول العالم الثالث المحكومة بالحديد والنار.
في مقابل هذه الصورة التي ربما صيغت بشيء من المبالغة هناك الوجه الآخر للعملة، وهو الاعتراف بأن هناك آلة ديمقراطية أميركية تتسم بقدر كبير من الكفاءة والنزاهة، ثم التبشير بأن مرشحاً بعينه هو الذي يملك الحظ الأوفر لدخول البيت الأبيض، وغالباً يكون هذا المرشح من يتبنى أجندة نراها أقرب لخدمة مصالحنا، وكأننا نحن من سينتخب الرئيس الأميركي!
وهكذا يتكرر فشلنا في التنبؤ بمستقبل السياسة الخارجية الأميركية، وبالتالي نزداد ابتعاداً عن واحد من أهم مصادر قوة الثقافة في هذا العصر وهو قدرتها على التنبؤ بالمستقبل ومدى نجاحها في شحذ هذه »البصيرة« إلى أقصى درجة ممكنة فيما يشبه التمرين الذهني المخطط بشكل واعٍ.
وغني عن البيان طبعاً أن القضية ليست التعامل مع الولايات المتحدة الأميركية بإجحاف أو بإنصاف فهي في النهاية مجرد مثال، بل القضية مدى قدرة نخبتنا التي توجه الرأي العام على التخلص من القيود والأوهام والانحيازات المسبقة، وإذا مددنا الخط على استقامته قلنا إن هذه الظاهرة قد تكون جرس إنذار لننتبه إلى أننا نوشك إلى التحول إلى »أمة كارهة للحقيقة«، وهي مرحلة يؤدي الوصول إليها إلى إدمان »المكيفات« الفكرية التي تعجز الأمم التي أدمنتها عن الشعور بالتوازن ما لم تحصل عليها.
وإذا أخذنا نموذج الانتخابات الأميركية المنتظرة وجدنا تعاطفاً عربياً واضحاً مع المرشح الديمقراطي باراك أوباما يصل أحياناً لحد التبشير بأنه »حتماً« الرئيس الأميركي القادم، والترجيح هنا يكشف عزوفاً حتى عن الاستفادة بسمات تتصف بثبات نسبي كبير للمزاج الانتخابي الأميركي.
أولى هذه السمات أن الناخبين الأميركيين يفضلون ألا يجمع أحد الحزبين الكبيرين بين منصب رئيس الجمهورية وبين الأغلبية في الكونغرس بمجلسيه، وبالتالي فإن الكتلة التصويتية التي تحركها هذه القناعة ـ على الأرجح ـ ستصوت للمرشح الجمهوري فقط للحفاظ على هذا التوازن.
ومن سمات المزاج الانتخابي الأميركي أيضاً أن يفضل الناخب في حال التصويت أثناء عمل عسكري أن يختار مرشح الحزب الذي اتخذ قرار الحرب حتى يوفر ذلك استقرار الدعم السياسي للجنود، وهذه كتلة تصويتية أخرى ستعطي صوتها للمرشح الجمهوري ليكمل ما بدأه بوش في العراق وأفغانستان.
ثالث السمات التي تتمتع بثبات نسبي في المزاج الانتخابي الأميركي أن وجود مرشحين في أحد الحزبين يتنافسان بشراسة حتى نهاية المرحلة التمهيدية يؤدي غالباً إلى تصويت انتقامي، بمعنى أن استمرار التنافس بين المرشحين الديمقراطيين هيلاري كلينتون وباراك أوباما سيؤدي إلى تصويت انتقامي يكون منطقه: »إذا لم يدخل صوتي مرشحي البيت الأبيض فسوف أستخدمه لحرمان منافسه من الحزب نفسه من تحقيق الهدف نفسه«.
وحسب استطلاع رأي أجري ونشرت نتائجه مؤخراً فإن ما بين 25 % و30 % من مؤيدي باراك أوباما وهيلاري كلينتون سيصوتون للمرشح الجمهوري جون ماكين في حال فشل المرشح الديمقراطي الذي يدعمونه في الفوز بترشيح الحزب. وبسبب النتائج الكارثية التي يمكن أن تترتب على هذه الظاهرة عقد المرشحان الديمقراطيان مناظرة أكد فيها كل منهما جدارة الآخر ـ في حال فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي ـ بأن يحكم أميركا.
كما أن من الحقائق المهمة التي يجب استحضارها عند محاولة التنبؤ بنتيجة الانتخابات الأميركية المنتظرة أن فترات وجود رؤساء جمهوريين في البيت الأبيض منذ نشأة أميركا حتى الآن أطول بكثير من فترات وجود رؤساء ديمقراطيين فيه.
لكن المشكلة في الحقيقة أن المزاج العام في العالم العربي لا يريد الجمهوريين وبصفة أخص المحافظين الجدد، والخطابان الإعلامي والتحليلي للأسف يسقطان في فخ التفكير بالتمني، فتكون النتيجة أن نعود إلى التنبؤ بالمستقبل على طريقة »الساروس« وأشباهه، وعندئذ يتحول التحليل السياسي إلى كهانة جديدة تُغيّب العقل، ولكل كهانة أوهامها!.
كاتب مصري
