بمثل ما توافق مرشحو الرئاسة الأميركية الثلاثة (الديمقراطيان) هيلاري كلينتون وباراك أوباما و(الجمهوري) جون ماكين - على تعهد حازم بالالتزام بأمن إسرائيل فإنهم توافقوا أيضاً على موقف أحادي تجاه مشكلة دارفور موجه تحديداً ضد الحكومة السودانية وضمنياً لصالح حركات التمرد المسلح، فهل جاء التطابق الكامل بين هذين التعهدين بمحض الصدفة العابرة؟

لنستذكر أولاً أن حماية الدولة اليهودية وضمان أمنها وبقائها كقوة عظمى إقليمية متفوقة على دول وشعوب العالم العربي والإسلامي ليس فقط في مقدمة أولويات السياسة الخارجية الأميركية في مختلف العهود وعلى تعاقب الرؤساء والإدارات، بل هو المعيار الأساسي الأوحد الذي بموجبه وبناء عليه تحدد الولايات المتحدة طبيعة علاقتها مع أي من الدول والجماعات في أنحاء العالم بأسره.. لماذا؟

لأن مؤسسة السلطة الأميركية خاضعة ببساطة لنفوذ تقليدي من الحركة الصهيونية الأميركية التي تمارس هذا النفوذ من خلال منظمة (إيباك) اليهودية على الصعيد السياسي العام ومجموعة (المحافظين الجدد) اليهودية أيضاً على المستوى الرسمي داخل البيت الأبيض.

والسؤال الذي يطرح إذن هو: ما موقع قضية دارفور في هذا الترتيب؟

لاحظ أولاً أن المرشحين الرئاسيين الثلاثة كلينتون وأوباما وماكين أصدروا بياناً مشتركاً، ولاحظ ثانياً أنهم لم يتصلوا بوسائل الإعلام مباشرة.. لقد سلموا وثيقة البيان إلى تنظيم أميركي يطلق عليه «ائتلاف إنقاذ دارفور». وهنا مربط الفرس، فهذا تنظيم مظلي يتكون من عدة منظمات يهودية صهيونية وتمارس أنشطتها المتنوعة انطلاقاً من وصفة دعائية بأن هناك عملية «إبادة» في دارفور وأن الحكومة السودانية تتحمل المسؤولية كاملة عن هذه الإبادة.

والمثير، ولكن ليس مثار دهشة، أن السياسة الرسمية التي تنتهجها إدارة بوش تجاه مشكلة دارفور تتبنى بالكامل هذه الوصفة الصهيونية! لكن لماذا؟.. لماذا أصلاً الاهتمام اليهودي بمسألة دارفور؟ هذا هو السؤال الأساسي. الحركة اليهودية الأميركية من ورائها إسرائيل تنظر إلى المسألة الدارفورية كصراع مصيري بين عرب وغير عرب - أي أفارقة - استناداً إلى الفوارق الإثنية بين قبائل الاقليم. ومرتكز السياسة الموضوعية هو اذن نصرة القبائل الإفريقية على القبائل العربية.

وهذا هو الهدف المرحلي للحركة اليهودية. لكن هناك هدف أوسع على المدى البعيد وهو تحويل دارفور إلى قاعدة لإضعاف وضعضعة الشمال السوداني ذي الأغلبية المنتمية إلى الثقافة العربية الإسلامية. أما كلينتون أو أوباما وماكين فإنهم كسابقيهم ليسوا سوى أدوات لخدمة الصهيونية وأهدافها.

opinion@albayan.ae