أكدت دولة قطر كما قال رئيس وزرائها الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني في وقت سابق، أن قدرة الدول لا تقاس بحجمها أو عدد سكانها، بل بأدائها وإداراتها وتحركاتها، وثبت على مر الأيام ذلك، فسياسة دولة قطر النشطة والمحايدة أعطتها ثقلاً وقدرة على الحركة للعب دور بارز تجاه القضايا العربية والإقليمية، وتفوقت على دول أكبر حجماً وقوة، وها هي تتدخل بعقلانية في الوقت المناسب وبالشكل المطلوب لحل الصراع اللبناني.

ورغم استفحال الأزمة بين القيادات اللبنانية استطاعت جمعهم في الدوحة، ولأنها لم تنحز إلى هذا الطرف أو ذاك وكانت صادقة في رعايتها لحل النزاع بين أبناء الوطن الواحد، لم تخذلها أطراف لها صلة بالصراع الدائر على أرض لبنان، وهذا بحد ذاته دليل على ثقة الجميع في قدرتها على تقريب وجهات نظرهم، واستيعاب مطالبهم والأهم تحقيق أمنية الشعب اللبناني بالعيش بأمان وسلام.

وفعلاً تحققت هذه الأمنية برعاية وعلى أرض قطر، ووحد قادة لبنان صفوفهم، وخرجوا باتفاقية الدوحة التاريخية، فمبروك للبنانيين، ومبروك لدولة قطر أميراً، وحكومة وشعباً، على جهودهم الحثيثة التي حققت معجزة الاتفاق وأعادت اللحمة الوطنية اللبنانية التي سوف تعيد لبنان إلى وضعه الطبيعي.

لقد تصور البعض أن دولة قطر تدخل في مغامرة غير محسوبة وتوقعوا الفشل المسبق لهذه المبادرة، لكن القطريين نجحوا بامتياز وكسبوا احترام الجميع حتى من كان يتوقع لهم الفشل، فالنجاح كما يقال له ألف أب، وهذا لا يعني إنكار دور اللجنة العربية والدور المهم للجامعة العربية وأمينها العام، التي شكلت هذه اللجنة لمساندة دولة قطر لإنجاح هذه المهمة، ومساعدة اللبنانيين، على حل خلافاتهم التي طالت وكادت تحرق الأخضر واليابس.

إذن ألا يعتبر اتفاق الدوحة نجاحاً تاريخياً لدولة قطر، وهل تأكد بهذه المبادرة أن الدول فعلاً لا تقاس بحجمها؟

الحقيقة الثابتة أن لدولة قطر مواقف مميزة في مجالات عديدة لم تستطع دول عربية أكبر منها عدداً وعدة منافستها، لماذا؟ لأنها لا تأتمر بأمر.

ولا بضغوطات خارجية وعلاقاتها مميزة مع الجميع تقريباً، واستطاعت توفير كل عناصر النجاح لتقريب وجهات النظر بين أطراف عديدة اختلفت، وسبق أن ساهمت في حل قضايا عربية، عرفها وقرأها كل متابع، إذن قطر بسياستها النشطة المتوازنة تسعى وتعمل وتبذل جهداً، انطلاقاً من مبدأ إن أصابت فلها أجران وإن لم تصب فلها أجر واحد.

وبهذا أثبتت ان الدول لا تقاس بحجمها بل بدور قيادتها ورؤاها ونشاط وحيوية سياستها، ولاشك أن نجاح دولة قطر في تحقيق الاتفاق بين اللبنانيين بعد أن استعصى لفترة طويلة يعد انجازاً يحسب لها، فهل بذلك سينتقل مركز القرار السياسي العربي في الدوحة؟ وهل سوف تلعب قطر دوراً مماثلاً لحل النزاع الفلسطيني الفلسطيني؟

وهل سوف نشهد دولة فلسطينية بحق وحقيقة على ارض الواقع وبمبادرة عربية رغم أنف الأعداد؟

نرجو ذلك مع أن هناك دولا إلى الآن لم تستطع فعل أي شيء حتى لمد يد المساعدة وتحسين أوضاع الشعب الفلسطيني المحاصر، وحل الخلاف بين قادته، ربما لأن المصالح مرتبطة بالخارج والأذن والموافقة لابد وأن يأتيان في (الأصدقاء.. !!!) في الخارج.

أما فيما يتعلق بلبنان فأعتقد ان الكثيرين يشاركونني الرأي، بأن الشعب اللبناني إن لم يكن من أذكى الشعوب العربية وأشطرها، فهم بلا شك من الأذكياء الطموحين، بالرغم من قلة عددهم وصغر حجم دولتهم، لكنهم استطاعوا تخطي حدودهم والنجاح بجدارة خارجها، إذ أن ثلثي الشعب اللبناني يعيشون خارج لبنان، ولهم نجاحات كثيرة وكبيرة في الخارج، فإذا نجح الساسة اللبنانيون والتزموا بالاتفاقية دون تراجع وتجاهلوا من يريد لهم الفشل والفوضى، سوف يكون لبنان بخير ويطمئن أبناؤه للرجوع إليه، وسوف يكون واحة تتسع لاستقطاب كل محبيه. لأن هناك بكل تأكيد دولا لها مصالح وتتمنى الحرب والدمار للبنان.

وعلى رأسها إسرائيل وبدعم من حكومة «جورج بوش» وهذا ما تأكد في ما نشر مؤخراً في وسائل الإعلام على لسان مسؤول إسرائيلي عن محاولة إسرائيل ضرب حزب الله بنصيحة ومساعدة شخصيات سياسية من الداخل والخارج، مع أنه لم يذكر أسماء إلا أن هناك أفرادا تعتبر المصالح الشخصية فوق مصلحة الوطن، وكما يقول المسؤول الإسرائيلي لولا خوف إسرائيل من ردة فعل حزب الله لبادرت إلى ذلك فوراً.

فكلنا أمل بأن يعمل السياسيون في لبنان على تحقيق أهداف الاتفاقية، ويتفرغوا لخدمة وطنهم، ويعطوا الفرصة لكل اللبنانيين للمشاركة، ليواكبوا التطور الحاصل في العالم، خاصة ولبنان لديه إمكانيات هائلة، وليتجاهلوا محاولات الخراب والانشقاق التي تبثها ونتابعها على بعض وسائل الإعلام والتي يبدو أنها تبالغ في الدعاية المضادة لاتفاقية الدوحة.

المهم أن ينسى اللبنانيون ما حصل خلال الفترة الماضية وليتعاون الجميع من أجل مصلحة لبنان، ولتكن هذه هي البداية، ولنتفاءل بعهد جديد يبرز من خلاله دور عربي فعّال لجميع المشاكل والخلافات العربية وعدم السماح لأي كان التدخل في شؤوننا.

وأنهى الموضوع بما كتب على شوارع بيروت «كلنا نقول شكراً قطر»، آملين أن نقول شكراً مرة أخرى لدولة قطر أو إلى كل من يسعى بإخلاص إلى حل الصراعات العربية وخدمة شعوبها.

كاتب إماراتي

sultan654@hotmail.com