فجأة فاحت في الجوّ رائحة شيء من عودة الروح، إلى التضامن العربي. الإشارات توالت في هذا الخصوص، منذ الدوحة اللبنانية؛ وما تبعها من بوادر رغبة، إن لم يكن لتقارب سريع وقريب؛ فعلى الأقل لوقف التباعد وما كاد أن يجرّ إليه من تداعيات كارثية.

لقد طالت إقامة التضامن العربي المفقود. غيابه، ساعد في تمرير مخططات وأحداث وتطورات كانت أكلافها عالية. بل مرهقة، للوضع العربي برمته. في أحسن الأحوال كانت مربكة له. العلاقات بين عواصم عربية، اهتزت. أصابها المزيد من التعقيد والتباعد. الأمر الذي ساهم في استفحال الاستباحات. حتى داخل بلدان هذه العواصم، تخلخلت المعادلات والتوازنات. وصلت الأوضاع، في بعضها، إلى حدّ الانكسار. كادت أن تنزلق إلى مهالك الحروب الأهلية القاتلة.

استولدت أزمات مستعصية، كان يمكن لها أن تطيح بتوازنات إقليمية، تنفتح معها المنطقة على المجهول الأسود. آخر حلقات ذروة التدهور المريع، كان لبنان مسرحها؛ أوائل مايو الماضي. الأحداث التي شهدها كان لها، على ما بدا، وقع الصدمة الكهربائية. الايجابي أنها كانت بداية لملمة عربية. كانت من نوع«ربّ ضارة نافعة».

مع حضور التعريب، بقوة، بدأت خيوط الانفراج تتجمع. ولادة التسوية، سهّلت خروج لبنان من عنق زجاجة المأزق. تراجع شبح الاقتتال. ومع انتخاب الرئيس الجديد، تنفس البلد الصعداء. على الأبواب تشكيل حكومة جديدة. وبإعلانها، في أي وقت، تكون أوضاعه قد استتبت. الذي لا يقل أهمية، أن عودة الاستقرار إلى الساحة اللبنانية، انسحب على المناخ العربي العام. تكثّفت التحركات واللقاءات، على أعلى المستويات.

قمم ثنائية، توالت في أكثر من عاصمة عربية، في ظلّ أجواء من الانفتاح والهبوط الملحوظ لدرجات التوتر؛ الذي استبدّ بالخطاب السياسي؛ في الآونة الأخيرة وعلى نحو غير مسبوق. وربما تكللت اللقاءات على هذا المستوى، بزيارة للرئيس السوري إلى لبنان؛ وفق ما يتردد نقلاً عن مصادر رسمية.

يرافق ذلك صدور تلميحات حول حصول قمم أخرى مصغرة قريباً؛ تصبّ كلها في حركة رأب الصدع، العربي؛ وأيضاً المحلي؛ سواء في العراق أو في الأراضي الفلسطينية. هذه الساحات وغيرها، بحاجة إلى استنساخ مؤتمر الدوحة. المصالحة في العراق، باتت اليوم مسألة عاجلة أكثر من أي وقت مضى.

من دونها لا يقوى التحسن الذي حصل، على الاستمرار. الحال في فلسطين، لا تقل إلحاحاً. انفلات حبل الاستيطان، من جديد في القدس الشرقية والذي أطلقه أولمرت، الغارق في فضائحه، جاء ليؤكد، مرة أخرى، بأن ليس هناك، أمام الوضع الفلسطيني، للاعتصام به، سوى وحدته الوطنية. عودة اللحمة، ولو بالحد الأدنى، إلى الجسم العربي؛ من شأنها أن تساعد، وإلى حدّ بعيد، في إعادة ترميم هذه الساحات. آن أوان طي صفحة التضامن العربي المفقود. التحديات لا تترك المجال لأي بديل.