يضعنا الأطفال أحياناً في مواقف لا نعرف ماذا نفعل أو نقول فيها. من هذه المواقف موقف تعرضت له أم، وهي تراجع مع ابنتها مادة التربية الوطنية لامتحانات نهاية العام الدراسي للصف الثالث الابتدائي. وفي أحد الدروس التي تتحدث عن الوطن، الجنسية وما يتبعهما من مستندات ورد في إحدى الصفحات سؤال عن الوطن.
وكانت الإجابة عنه كالآتي: الوطن هو الدولة التي يولد فيها الإنسان ويحمل جنسيتها. تساءلت ابنة التاسعة في بديهة سريعة: إذا كان الوطن كذلك فهل يعني أن جميع الآسيويين والأوربيين المولودين في الإمارات يحملون جنسيتها؟ وإذا كانوا يحملون جنسية الإمارات فلماذا يتحدثون بلغة غير لغتنا؟ ولماذا هم مختلفون في عاداتهم وسلوكياتهم؟
أسئلة الطفلة بسيطة، لكن الإجابات عنها صعبة في واقع قانوني ودستوري واجتماعي يتعارض مع الإجابة التي وردت في الكتاب. فالواقع يقول إن كثيرين ولدوا في الإمارات، لكنهم يحملون جنسيات الدول التي ينتمي إليها آباؤهم. وهناك كثيرون من أبناء المواطنات ولدوا في الدولة وتربوا فيها، ومع ذلك لا يحملون جنسية الدولة رغم أنهم لا يعرفون وطنا غير الإمارات. فأين تعريف الوطن الوارد في الكتاب من الواقع الذي نعيشه؟
إذا كانت المواطَنة تعني الولادة في الدولة، وتعتبر مسوغا لحمل جنسيتها، فهذا يفتح ملفات شائكة في أذهان أطفالنا في وقت مبكر، ملفات عجزنا نحن الكبار عن حلها أو على الأقل إنهائها كملف التركيبة السكانية، وملف أبناء المواطنات، وحملة مراسيم الجنسية الذين لم يبت في أمرهم.
واقع التركيبة السكانية، الانفتاح الاقتصادي وما يفرضه من تحديات يجعلنا نخشى أن تكون الإمارات وطنا لمن ولدوا في الإمارات، ومن استفادوا من الانفتاح الاقتصادي باستثمارات يديرونها، لكننا نخشى في المقابل ألا يصب هذا في صالح أبناء المواطنات، وغيرهم ممن يستحقون الحصول على الجنسية بموجب الدستور والقوانين الاتحادية، مع أنهم الأولى والأكثر استحقاقا من غيرهم، بغض النظر عن الفوائد المالية التي من الممكن الحصول عليها من الأجانب.
كيف نستطيع تفسير هذا الواقع لأطفال لم يتجاوزوا التاسعة؟ ولماذا تتضمن المناهج موضوعات ملتبسة تستعصي على فهمهم، وملفات شائكة من الممكن أن تسبب خلطا في أفكارهم بالنظر إلى ما يرونه على أرض الواقع؟
هل هذه هي التربية الوطنية التي نتطلع لغرسها في أبنائنا؟ بصراحة نجد أنفسنا أولياء أمور غير راضين عن مناهج التربية الوطنية التي نجد فيها حشوا من المعلومات التي لا تتناسب مع أعمار أبنائنا، رغم أن معدي هذه المناهج والمشرفين عليها من الكفاءات الوطنية التي لا يفترض أن تمر عليها هذه المسائل دون تدقيق وتمحيص.
إن هذا السؤال البسيط الذي وجهته تلك الطفلة لأمها يجعلنا نشعر بالإحباط لأن مفهوم الوطن أصبح ملتبساً في وقت تبدلت فيه الأحوال واختلط الحابل بالنابل، ولم نعد قادرين فيه على توضيح كثير من الأمور لأبنائنا في ظل هذه التركيبة السكانية وما جرته من قضايا غيرت الكثير من الاعتبارات والمفاهيم. لذا يحق لنا أن نعرف قبل صغارنا ما هو تعريف الوطن وسط كل هذه المتغيرات، وسط اللهاث وراء مفاهيم العولمة والانفتاح الاقتصادي الذي لم يترك لنا خصوصية ننعم بها. تساؤل فتح الأبواب على شجون كثيرة لا نعرف لها نهاية ولا حلاً.
