قنبلة غير متوقعة فجرها الرئيس السابق للولايات المتحدة الأميركية جيمي كارتر في مؤتمر صحافي عقد أثناء احتفال في مكتبة هاي بمقاطعة ويلز في المملكة المتحدة، حينما أكد بأن ترسانة إسرائيل تحتوي على 150 سلاحاً نووياً على الأقل!!

وهذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها رئيس أميركي، سواء كان في البيت الأبيض أو قد تركه، على الملأ وبشكل لا لبس فيه بامتلاك إسرائيل لسلاح نووي. فهذا التصريح يفوق بصراحته ما أعلنه أيهود أولمرت في ديسمبر من العام 2006 من أن إسرائيل من « ضمن الدول التي تمتلك قدرات نووية عسكرية ». وقد جاء ذلك التعليق بعد تصريحات مشابهة أدلى بها وزير الدفاع الأميركي في جلسة استماع أمام الكونغرس.

والحق أن إسرائيل تحفظت دوماً على التصريح بقدراتها النووية، أو هي بالأحرى لا تعلق على الأخبار التي تنشر هنا وهناك بين الفينة والأخرى عن برنامجها النووي، بل تعتبره «سر أسرارها» لدرجة أنها عاقبت أحد علمائها ويدعي موردخاي فعنونو، وكان يعمل في مفاعل ديمونة الواقع في صحراء النقب، عاقبته بالسجن لمدة عشرين عاماً لأنه تجرأ وسرب خبر امتلاك إسرائيل بين 100 إلى 200 قنبلة نووية لجريدة الصنداى تايمز اللندنية في الثمانينات.

وتصريح كارتر هو «إقرار» من صديق لإسرائيل أوصلها لمرحلة سلام مع أكبر دولة عربية في الاتفاقيات الشهيرة التي وقعت في كامب ديفيد في سبتمبر من العام 1978، وبالتالي فلا يرقى إلى تصريحه أي شك، وهو أيضاً كلام يخرج من فيه رئيس سابق للولايات المتحدة «أخلص خلصاء» إسرائيل وحليفها وداعمها الأول . لهذا، فإن هذا الشخص «لا ينطق عن الهوى» بل ينطق بدراية ومعرفة الحليف والصديق.

ولعله من المفارقات الغريبة فيما يتعلق بهذه النقطة أن الولايات المتحدة الأميركية لم تكن البادئة بإنشاء البرنامج النووي الإسرائيلي، بل تتحمل وزر ذلك فرنسا وبريطانيا.

تقول صحيفة الجارديان البريطانية في مقال نشرته في الرابع من أغسطس للعام 2005 تحت عنوان:«صفقة نووية سرية تبرم من وراء ظهور الأميركان» من أن فرنسا في العام 1958 قد خرقت الحظر الذي فرضته الدول الكبرى على انتشار السلاح النووي، بالذات إلى الدول التي تشكو من اضطرابات سياسية، حينما أمدت إسرائيل بكمية بسيطة من الماء الثقيل ( أربعة أطنان ) حينما كان - ما أطلقت عليه فرنسا - «مفاعلاً للتجارب» قد انتهى تشييده للتو في ديمونة.

ولأن هدف إسرائيل كان الوصول إلى السلاح النووي، فإنها كانت بحاجة إلى كمية من البلوتونيوم، كما تقول الصحيفة، الأمر الذي دعاها إلى طلب كمية كبيرة تقدر بعشرين طناً من الماء الثقيل من بريطانيا.

ولم تجد بريطانيا غضاضة في تزويد إسرائيل عن طريق النرويج بتلك الكمية في يونيو من العام 1959 دون علم الإدارة الأميركية!! وقد علمت الولايات المتحدة بذلك من خلال الصور التي التقطتها طائرات التجسس (U2) للنشاطات التي كانت تجرى في صحراء النقب، حيث استدعت السفير الإسرائيلي في واشنطن للاستعلام منه حول الموضوع. ولا شك أن تصريحاً لرجل بوزن كارتر سيضعف من حجة أولئك الذين ينادون بمنع هذه الدولة أو تلك من امتلاك السلاح النووي، فما يحق لدولة يحق لأخرى.

وقد يجادل البعض بأن إسرائيل دولة ديمقراطية تحترم النظام والقانون وبالتالي لن تستخدم هذا السلاح في نزاعها مع العرب. وهذه حجة مردود عليها، فإذا لم تكن إسرائيل تريد استخدامه عند الضرورة ضد العرب - الذين تعتبرهم أعداءها - فما حاجتها إذن لهذا السلاح؟؟

ثم أن التاريخ قد أثبت أن الديمقراطية لا تستطيع منع الطبقة الحاكمة من استخدام السلاح النووي، فالنظام الديمقراطي للولايات المتحدة الأميركية، وهي الدولة الوحيدة التي استخدمت هذا السلاح، لم يقف حائلاً بينها وبين ضرب هيروشيما ونجازاكي بتلك القنابل الفتاكة وتدميرهما عن بكرة أبيهما!!

بل يذهب كثير من المؤرخين إلى أن استخدام السلاح النووي لم يكن ثمة داع له سوى رغبة الولايات المتحدة في ردع الاتحاد السوفييتي عن التمدد في أوروبا. فاليابان كانت في حالة اندحار وقد خسرت كل الجزر التي احتلتها في المحيط الهادئ، واستسلامها بواسطة الحرب التقليدية كان مسألة وقت!!

وقد هدد بعض السياسيين الأميركيين غير مرة، وعلى رأسهم هنري كيسنجر باستخدام القنابل النووية بشكل «تكتيكي» بمعنى استخدامه بشكل «محدود» مثل القنابل التقليدية.

ويبدو أن تصريح جيمي كارتر شأن كتابه الشهير الذي ألفه عن إسرائيل بعد أن خبر معدنها الحقيقي والذي سماه: «فلسطين: السلام وليس الفصل العنصري» ، فهذا الكتاب قد أثار موجة عارمة من النقد من أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة، بيد أن كارتر بهدوئه المعهود رد على منتقديه قائلاً: «أريد أن أدفع باتجاه قيام نقاش حول هذا الموضوع ( يقصد ممارسات إسرائيل في الأراضي المحتلة ) لأنه لا يوجد نقاش فعلي حوله في الولايات المتحدة». ومن الواضح أنه يريد بتصريحه هذا أن يفتح نقاشاً حول قدرات إسرائيل النووية، كما فتح النقاش حول سياستها العنصرية.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com