الإسرائيليون يلقنون أطفالهم أن الأردن هو دولة الفلسطينيين- حقيقة قديمة جديدة متجددة يؤكدها لنا »سعد مرتضى« أول سفير مصري في تل أبيب، في كتاب أصدره حديثا بعنوان: »مهمتي في إسرائيل... مذكرات أول سفير مصري في تل أبيب« الصادر عن »دار الشروق« في القاهرة.

ويقول »إن إسرائيل تستغل المخاوف الأمنية، فيبالغ حكامها وخاصة إذا كانوا من الصقور مثل الليكود، في تصوير الأخطار التي يتعرض لها شعب إسرائيل ويستخدمونها أحيانا لستر الأطماع التوسعية،ويعلمون الجيل الجديد في إسرائيل أن الضفة الغربية وقطاع غزة هما ضمن حدود إسرائيل التاريخية، أما دولة الفلسطينيين فهي الأردن بحسب ادعاءاتهم«.

يضيف أول سفير مصري في إسرائيل شهادة بالغة الأهمية إلى جملة الشهادات والوثائق المتراكمة التي تكشف الأجندة الصهيونية الحقيقية التي تقف وراء استراتيجية ضم الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية باعتبارها جزءا من أرض إسرائيل من جهة، واستراتيجية إلغاء الشعب الفلسطيني واعتبار الأردن هو الوطن البديل له من جهة أخرى.

وتفتح لنا هذه الشهادة المهمة هذا الملف المتفجر الخبيث لنعود ثانية وثالثة لنذكر بأجندتهم وسياستهم ومواقفهم الحقيقية من هذه المسألة، وكذلك لنذكر بأدبياتهم المبيتة تجاه الأردن أيضا.

كان بلدوزرهم شارون أوضح من عبر عن هذه الأدبيات عندما صرح في أعقاب فوزه في انتخابات/2001 في لقاء مع الصحيفة الألمانية »فوكس« قائلا: »أيضاً شرقي الأردن جزء من أرض إسرائيل«، ثم ليلحق به الجنرال باراك قائلا: »من المفضل للمدى البعيد التوصل إلى اتفاقية حول دولتين في شرق الأردن إذ أن هذه الاتفاقية هي الضمان للاستقرار في المنطقة«.

ومن جهته كان الكاتب الإسرائيلي اليميني »ارييه الداد« اكد في يديعوت احرونوت العبرية أن الأردن هو فلسطين الآن، حيث هناك ثلاثة من كل أربعة من السكان هم فلسطينيون، وهناك يجب توطين الفلسطينيين.

وينبغي لنا أن نضيف الفهم بأن ليس لهؤلاء الفلسطينيين أي حل آخر غربي النهر،أي الترحيل نحو الشرق«، وبينما أعلن »بني ايلون« زعيم كتلة »هئيحود هليؤومي-الاتحاد الوطني-« أنه لا يمكن إقامة دولتين غربي الأردن وأن الدولة الفلسطينية يجب أن تكون شرقا وأن الأردن هي فلسطين، توجه في ذلك الوقت إلى واشنطن حيث عرض خطته المتطرفة التي تدعو إلى تهجير الفلسطينيين إلى الأردن لإقامة دولتهم هناك، ثم انبرى وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق البروفسور »موشيه آرنس« ليدعو أيضاً إلى تكريس فكرة: فلسطين هي الأردن.

وعلى سيرة ايلون المتشدد هذا، فقد كشفت مصادر صحفية أميركية أن الكونجرس الأميركي، استضاف مؤخراً مؤتمراً لبرلمانيين دوليين لمناقشة مقترحات ايلون تقضي بضم الضفة المحتلة لـ »إسرائيل« بصورة رسمية، وعقد المؤتمر وفقاً للمصادر ذاتها بمبادرة من تجمعين في كل من الكنيست والمجلس التشريعي الأميركي لمناقشة المبادرة الإسرائيلية التي وضعها حزب الاتحاد الإسرائيلي المتطرف الذي يتزعمه بيني أيلون، وشارك في وقائعه مشرعون من 13 دولة من بينهم أعضاء في البرلمان الأوروبي ومن برلمانات سويسرا واليابان وجنوب أفريقيا والفلبين والبرازيل وكندا وأروجواي.

وأشرف على تنظيم المؤتمر لجنة الحلفاء المسيحيين بالكنيست وهي لجنة معنية بتوثيق العلاقات بين إسرائيل والتيارات المسيحية المتصهينة في الولايات المتحدة، إضافة إلى تجمع يعرف بالحلفاء الإسرائيليين في الكونجرس الأميركي، وهو تجمع يقوده عضوا مجلس النواب الديمقراطي أليوت إنجل (نيويورك) والجمهوري ديفيد ويلدون (فلوريدا)، وتمحور موضوع النقاش على رفض حل الدولتين واعتبار الضفة المحتلة أرضاً إسرائيلية واعتبار سكانها مواطنين أردنيين يسمح ببقائهم ببطاقات إقامة ذات مدة محددة قابلة للتجديد أو الإلغاء«.

تربط المؤسسة الإسرائيلية ما بين الديموغرافيا والخطر الديموغرافي العربي الفلسطيني وما بين قصة »الوطن البديل للفلسطينيين«، وتأتي مقترحات ايلون وغيره المتعلقة بضم الضفة الغربية وترحيل أهلها شرقا في هذا السياق، إذ يجمعون هناك في إسرائيل على أنها تشكل تهديدا استراتيجيا داهما ودائما لوجود إسرائيل اليهودية، ما يستدعي من وجهة نظرهم ومخططاتهم الاستراتيجية العمل دائما على مصادرة وتهويد أوسع مساحات ممكنة من الأرض العربية ما بين البحر والنهر.

واستقدام وتوطين أكبر عدد ممكن من اليهود فيها، وتهجير أكبر عدد ممكن من السكان العرب الفلسطينيين باتجاه الشرق وبشتى الطرق الممكنة السرية المقنعة أو العلنية، ويقع في هذا السياق ذلك الجدل الإسرائيلي الاستراتيجي حول الأردن بوصفه الوطن البديل والدولة الفلسطينية البديلة.

والأدبيات الصهيونية /الإسرائيلية التي تتحدث عن ذلك واسعة لا حصر لها، غير ان البلدوزر شارون كان قد شكل دائما خلاصتها المكثفة، فقد كان أعلن على سبيل المثال »أن الأردن هو الدولة الفلسطينية حيث هناك%60 من السكان فلسطينيون«، وأضاف في مقالة له نشرت في يديعوت احرونوت 1988/2/26 أكد فيها موقفه من الدولة الفلسطينية قائلا: »أنا شخصيا أؤمن ببرنامج الاوتونوميا كجسر سلام بيننا وبين الدولة الفلسطينية القائمة في الأردن«.

لقد تأجج الجدل الإسرائيلي على مختلف المستويات حول هذه المسألة وقد وصل إلى ذروته المحمومة كما هو معروف في مؤتمر هرتسليا عبر دوراته الثمانية التي عقدت على مدى السنوات الماضية وكانت أوراق العمل تنطوي من ضمن ما تنطوي عليه على التخلص من المشكلة الديموغرافية العربية، عبر ترحيل أكبر كم من الفلسطينيين شرقا.

تستحق منا أدبيات الدولة اليهودية النقية والترانسفير والوطن البديل، التوقف والتعامل معها بما تنطوي عليه من أجندات وتداعيات استراتيجية خطيرة بمنتهى الجدية والمسؤولية العروبية.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com