مرة أخرى تصدمنا الأرقام، ونحن أمام الأرقام لا نستطيع أن ننكر الحقائق ولا نقلبها، وعندما نتعامل مع الأرقام لا يليق بنا أن نغالط أنفسنا وليس من الحكمة أن ندفن رؤوسنا في الرمال هربا من المواجهة. أما مصدر الأرقام هذه المرة فهي وزارة العمل التي أعلنت الأسبوع الماضي أنها أصدرت 640 ألف تصريح عمل جديد للقطاع الخاص بالدولة خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، بزيادة مقدارها 100% عن الفترة نفسها من العام الماضي.

هذه الزيادة في إصدار تصاريح العمل هي الأكبر في تاريخ الوزارة، وهي امتداد لما تؤكده إحصائيات وزارة العمل التي تُظهِر أن الأعداد تتضاعف عاما بعد عام، حيث أصدرت الوزارة عام 2007 نحو مليون و360 ألف تصريح عمل، وهو رقم يقترب من ضعف ما أصدرته عام 2006 من تصاريح بلغ مجموعها نحو 835 وفق بيانات الوزارة نفسها.

بقية الأرقام تشير إلى استحواذ الإمارات الثلاث الكبرى (أبو ظبي ودبي والشارقة) على 88% من نسبة التصاريح الصادرة خلال الثلث الأول من هذا العام، بينما يتوزع الباقي على الإمارات الأخرى بنسب متفاوتة.

وهذه الأرقام تخص العاملين والموظفين في المهن المدرجة في قانون العمل فقط، بمعنى أنها لا تشمل الخدم ومن في حكمهم من السائقين والطباخين ومربيات الأطفال الذين ينتمون إلى فئة العمالة المنزلية التي تصدر تأشيراتها من إدارات الجنسية والإقامة بوزارة الداخلية مباشرة، لذلك فإن لها أرقامها الخاصة التي يشكل استدعاؤها صدمة أخرى نحن في غنى عنها.

وكيل وزارة العمل بالوكالة أرجع هذه الزيادة غير المسبوقة في تصاريح العمل الجديدة إلى أسباب عدة؛ أهمها وجود (حاجة حقيقية) لهذه العمالة بالنظر إلى المشاريع العمرانية والاقتصادية التي تشهدها الدولة، خاصة في قطاع العقارات، معتبرا ارتفاع معدلات الاستقدام مؤشرا إلى استمرار الحاجة إلى العمالة لتلبية متطلبات مشاريع التنمية التي تشهدها مختلف إمارات الدولة.

هذا التبرير يطرح ملاحظات كثيرة، خاصة فيما يتعلق بوجود (حاجة حقيقية) لهذه العمالة، لكننا حتى لو اختلفنا معه فإننا لن نختلف على أن هناك قطاعات كثيرة - غير قطاع البناء والمقاولات - تسيطر عليها بشكل يكاد يكون كاملا العمالة المستوردة، مكرِّسةً البطالة التي يعاني منها عشرات الآلاف من المواطنين وفق الإحصاءات التي تطالعنا بها بين فينة وأخرى هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية «تنمية» التي تقف عاجزة أمام تنامي هذه الأرقام رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها لتقليص أعداد العاطلين وتوفير فرص العمل للمواطنين الذين تدفع بهم الجامعات والكليات كل عام إلى سوق العمل ليجدوا أنفسهم على قوائم الانتظار التي تطول عاما بعد عام دون أن نلمس جهودا حقيقية لحل مشكلتها.

بلغة الأرقام التي نثق بها واجهتنا «تنمية» أيضاً الأسبوع الماضي بحقيقة أخرى خلال اللقاء المفتوح الذي عقدته الهيئة مع ممثلي ووكلاء بعض الشركات السياحية عندما صرح رئيس مجلس أمنائها أحمد حميد الطاير بأن عدد المواطنين العاملين في القطاع السياحي بالدولة لا يتجاوز 27 مواطنا من إجمالي عدد العاملين في هذا القطاع الذي بلغ 7118 عاملا في المنشآت السياحية المسجلة في وزارة العمل والبالغ عددها 1154 منشأة!

هذا الرقم الصادم دعا رئيس مجلس أمناء الهيئة إلى القول إن الهيئة تتعامل مع الشركات السياحية باعتبارها شريكا حتى الآن، لكن فرض الحصص والعقوبات قد يحدث في مرحلة لاحقة إذا لم تشعر «تنمية» بتجاوب من جانب الشركات السياحية.

قطاع السياحة هذا الذي لم يستوعب حتى الآن أكثر من 27 مواطنا (مقابل 7091 من كل الجنسيات) يسهم بنحو 10% من إجمالي الناتج المحلي للدولة، وهي حصة كبيرة لا تتناسب مع الفتات الذي يناله المواطنون من هذه المهنة رغم توفر متطلبات شغلها لدى الكثيرين منهم كما يؤكد مسؤولو «تنمية» الذين نتفق معهم على أن أبناء الوطن هم الأقدر على تقديم المعلومات الإرشادية للزوار والسياح، إلى جانب أن المرشد السياحي المواطن يترك الانطباع السليم لدى السائح عن الرحلة والبلد الذي يزوره.

هذا الوضع الغريب الذي تعبر عنه الأرقام يدعونا إلى وقفة جادة نجعل فيها حسابات الأرباح والخسائر هي المعيار الذي نصدر وفقا له قراراتنا ونتخذ مواقفنا. وحسابات الأرباح والخسائر التي نعنيها هنا ليست هي حسابات المصالح الفردية التي تخضع لها المعاملات التجارية.

والتي يجعل منها البعض معيارا لقراراته، وإنما هي حسابات مصالح الوطن الذي تلوح خسائره لكل ذي بصيرة إذا استمر الوضع على ما هو عليه أو ازداد سوءا وترديا؛ هذه الحسابات التي تظهر مؤشراتها من خلال تناقص أعداد الموطنين عاما بعد عام، وتنامي الخلل في التركيبة السكانية يوما بعد يوم، وتقلص فرص المواطنين في سوق العمل وزيادة أعداد العاطلين منهم، وضياع الهوية الوطنية رغم كل الحملات التي تدعو للمحافظة على ما تبقى منها قبل أن يتحول ساكنو هذه الأرض إلى شعب آخر لا علاقة له بها ولا يحمل ملامح أهلها الأصليين.

ربما اعتبر البعض النداءات التي نوجهها لتدارك الأمر قبل فوات الأوان دعوات تفتقر إلى الواقعية والمنطق، وربما اعتبروا اللغة التي نستخدمها لغة عاطفية مبالغا فيها، لكن لغة الأرقام لا تعرف العواطف ولا تكذب أبدا، والأرقام التي تطالعنا كل صباح ونحن نرتشف قهوتنا المرة تقول إن الواقع يدعونا إلى مواجهة الأمر بالجدية التي يتطلبها.

هذه الأرقام تدعونا لأنْ نستيقظ من سباتنا ولا نقف مكتوفي الأيدي بانتظار ما هو أسوأ، فالأسوأ قادم إذا لم نتصدَّ لما يحدث على الأرض اليوم، والثمن الذي نتردد في دفعه الآن سوف ندفع أضعافه بعد حين إذا تأخرنا في قراءة لغة الأرقام أو قرأناها قراءة خاطئة أو تجاهلناها.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com