هل يعقل أن الولايات المتحدة أضحت تسلم بالواقع السياسي اللبناني الراهن الناشئ عن المصالحة الوطنية بين الفرقاء بموجب اتفاق الدوحة؟

هذا التساؤل ينبغي أن يطرح بالنظر إلى أن الاتفاق التصالحي يعتبر في إجماله انتصاراً لكتلة المعارضة ـ مهما أطنب المعلقون في الحديث عن قاعدة «لا غالب ولا مغلوب».. ومهما تظاهرت واشنطن بأنها لا تعارض ما تصالح عليه الخصماء اللبنانيون على جانبي «الموالاة» و«المعارضة».

لننظر مرة أخرى في أبرز بنود الاتفاق الدوحة بعين فاحصة؟ أولاً: اختيار العماد ميشال سليمان ليكون رئيس الجمهورية.. علماً بأن هذه الشخصية موضع رضا وقبول من الجانبين. ثانياً: تشكيل وزاري بنسب مئوية معينة تستجيب لمطلب المعارضة بأن يكون من نصيبها ثلث التشكيل مزوداً بقوة «فيتو».

ثالثاً: إدخال تعديلات معينة على قانون الانتخابات البرلمانية، وقد جاءت التعديلات لصالح «حزب الله» والتنظيم المسيحي المتحالف معه بقيادة العماد ميشال عون. من الواضح إذن أن هذه البنود ستؤدي في مرحلة التطبيق إلى نشوء قدر كبير من سيطرة «المعارضة» على آلية صنع القرار العليا وتوجيه مسار السلطة بما يتلاءم مع توجهاتها الداخلية والخارجية، وبكلمة واحدة فان الوضع الجديد لن يكون مناسباً للمشروع الأميركي تجاه لبنان القائم على اعتبارات أمن إسرائيل. ولذا فان من غير المتصور أن تلتزم الإدارة الأميركية السكوت والسكون.

ولكن ماذا تبقى لواشنطن من خيارات عملية في هذا الصدد؟ إذا قررت واشنطن نسف اتفاق التصالح في مرحلة مستقبلية ما ـ قريبة أو بعيدة ـ عن طريق إشعال فتنة دموية بين جانبي الموالاة والمعارضة فان أغلب الظن أن قادة فريق «14 آذار» لن يتجاوبوا معها.

وفي كل الأحوال لن يكون متاحاً للولايات المتحدة دفع الحكومة الائتلافية الجديدة في اتجاه العمل على تجريد المقاومة من سلاحها لأنها ببساطة حكومة وحدة وطنية أصبح حزب الله نفسه ممثلاً داخلها.

لهذا أيضاً ستجد واشنطن أن من الصعوبة حمل الحكومة على تمرير مشروع المحكمة الدولية بشأن اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري إذا اتضح أن هذا المشروع قد روعي في صياغته إدانة سوريا مسبقاً وتحميلها مسؤولية الاغتيال حتى لو كانت بريئة قانونياً. رغم ذلك لن تسلم واشنطن بالواقع، فهل يدفعها اليأس إلى ارتكاب حماقة كتحريض إسرائيل مثلاً على تدبير اغتيالات لبنانية يتم التخطيط لها بحيث من الممكن أن تنسب إلى حزب الله؟

opinion@albayan.ae