سجلّ واشنطن في دعم الاتفاقيات الدولية، حول السلاح، ضعيف عموماً. ربما يعود ذلك إلى الشعور بالتمايز. أو إلى قناعة بأنه من غير المقبول وضع قيود على القوة العظمى وترسانتها العسكرية. إدارة الرئيس بوش ضربت الرقم القياسي، في هذا الخصوص.عدد من الاتفاقيات، تراجعت عنها.

أبرزها اتفاقية 1972 الخاصة بالحد من انتشار أسلحة الدمار. انسحبت منها لتصبح طليقة اليد في بناء ونشر شبكة الدرع الصاروخي؛ والتي تعطيها، إذا ما تحققت ترجمتها، الموقع الأقوى الذي يمكنها من كسر معادلة الرعب النووي لمصلحتها. ثم هي وقفت ضدّ اتفاقيات أخرى، شديدة الأهمية، مثل تلك المتعلقة في منع استخدام الألغام الأرضية.

رفضت التوقيع على اتفاقية الألغام مثلما رفضت اتفاقيات مدنية، مثل «كيوتو» المناخية وتكلّل هذا التوجه، قبل أيام قليلة، بالوقوف ضدّ معاهدة لحظر استخدام القنابل العنقودية. بموجبها على الدول التي تملكها، التخلص نهائياً، في غضون ثماني سنوات، من هذه القنابل في ترساناتها.

إدارة بوش، لم تمتنع فقط عن التصويت، بل أبدت اعتراضاً شديداً على الاتفاقية. مئة وإحدى عشرة دولة وافقت على المنع. من ضمنها دول أوروبية، حليفة ومقربة من واشنطن، مثل بريطانيا، انضمت إلى الاتفاقية. إلاّ هي وبلدان أخرى مثل روسيا والصين.. وطبعاً إسرائيل. قد يكون من المفهوم - وليس المقبول -، أن تمتنع دول كالصين وروسيا. ترساناتها لا تضاهي، نوعاً وكماً، ما لدى خصومها، كالولايات المتحدة.

لكن ليس ما يبرر لواشنطن التمسك بهذا السلاح. ولا بالتأكيد لإسرائيل. كلاهما متفوق وبما لا يقاس على الخصوم. خاصة وأن «العنقودية» تشكل خطراً على المدنيين الأبرياء، بالدرجة الأولى. ضحاياها من بين هؤلاء كانت دائماً أرقامهم عالية. جنوب لبنان يشهد على ذلك. إسرائيل زرعت، خلال حروبها العدوانية عليه، الملايين من هذه العناقيد القاتلة. مئات اللبنانيين المدنيين قضوا بسببها. حتى الآن ما زال هناك حوالي مليون منها، في سائر مناطق الجنوب. هذا بعد تنظيف أراض واسعة منها.

المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية هي أكبر منتج لهذا السلاح الفتاك. في حين لا تحتاجها. هذه القنابل تستخدم، حسب العسكريين، في الحروب التقليدية. وتقول التجارب، إن هذا السلاح يقتل بدون تمييز. وفي ذلك انتهاك للقوانين والمعاهدات الدولية؛ كما للأعراف البشرية. تمسك البنتاغون بالعنقودية، ليس فقط لا مسوّغ له، بل هو ساهم في تنفيس زخم الاتفاقية وفي إعطاء الذريعة للآخرين الذين بقوا خارجها.

التذرّع بأن الترسانة الأميركية بحاجة إلى «العنقودية»، حجة واهية. هو يخفي حقيقة أخرى: واشنطن لا تتخلى عن أي سلاح طالما بقيت سياسة العصا، أحد أركان سياستها الخارجية.