لا سلام مع استمرار الاحتلال أو مع انتقاص الحقوق الوطنية، فالسلام شيء والاستسلام للأمر الواقع شيء آخر.. والسلام شيء والمقايضة على السلام بنزع عناصر القوة أو بخصم شروط الأمن شيء آخر..
السلام لا يتحقق مقابل السلام فقط مع بقاء الأمر الواقع باحتلال الأرض، والسلام لا يتحقق في مقابل الانسحاب من الأرض بتحقيق مكاسب سياسية وأمنية للمعتدى من احتلاله لأراضي الغير بالقوة، والسلام لا يتحقق في ظل اختلال موازين القوى لأن الانسحاب لا يصبح ممكنا إلا إذا كانت كلفة الاحتلال أعلى من كلفة الانسحاب أو كانت مكاسب السلام أكبر من مكاسب الاحتلال، ولا سبيل لجنوح العدو المحتل إلى السلام إلا بتوازن القوى وتوازن الردع، فهو المدخل الحقيقي لاستعادة الحقوق وتحرير الأرض وتحقيق السلام القائم على العدل لأعلى نتائج الحرب، باعتبار أن الحق فوق القوة والعدل شرط لسيادة السلام..
الأقوياء فقط هم القادرون على صنع السلام، سلما تلويحا بالقوة أو قتالا باستعمال القوة لفرض السلام، أو مقاومة تستنزف العدو المحتل وتقنعه بأن الاحتلال أكثر كلفة من الانسحاب والتسليم بالحقوق، وحينها فقط يمكن للسلام بالحق أن يكون وبالعدل أن يسود.
وحتى التفاوض من أجل الانسحاب لا يتم إلا بنفس الشروط، فما يجري في المفاوضات هو انعكاس لموازين القوى العسكرية خارج قاعة المفاوضات، والأقوى عادة هو الذي يفرض شروطه، بل إن الذي يشعر بأنه الأقوى لا يسعى للتفاوض إلا لكسب الوقت لتكريس الاحتلال أو لكسب المزيد من التنازلات أو لإشاعة حالة من الاسترخاء السياسي أو العسكري بأوهام السلام تؤجل الاستعداد للحرب وتؤخر البدء بالمقاومة في ظل توازن القوى واحتمالات الدخول في حرب جديدة غير مضمونة النتائج في ظل توازن الردع، أو بتصاعد المقاومة الشعبية بما يحيد قوتهم العسكرية وينزل بهم الخسائر البشرية والمادية.
وإدراكا بأن ما اغتصب بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، السياسية والاقتصادية والعسكرية، ولا قوة يمكن توفيرها للدفاع عن الأقطار العربية المستقلة أو لتحرير الأجزاء العربية المحتلة في فلسطين والعراق وسوريا ولبنان، إلا بنظرية أمن وطني تنبع من استراتيجية أمن قومي أو تتكامل معها بالتنسيق مع دوائر الأمن الإقليمي المحيطة بالوطن العربي.
استراتيجية الأمن القومي العربي تستهدف تحقيق السلام العادل الذي يعيد الحقوق العربية بالسياسة إذا أمكن مع عدم التخلي عن خيار الحرب الدفاعية للدفاع عن الوطن أو المقاومة إذا كان لا سبيل لتحرير الأرض المحتلة بعد انسداد آفاق السلام.
من هنا يبدو أن أقصر الطرق لتحقيق السلام الحقيقي العادل هو الاستعداد للحرب، بامتلاك القوة القادرة على فرض السلام القائم على العدل بكل درجاتها بما فيها القوة العسكرية، والقدرة على الصمود والمقاومة في إطار نظرية استراتيجية صحيحة للأمن الوطني ضمن نظرية استراتيجية صحيحة للأمن القومي العربي، أي تحدد من هو العدو ومن هو الشقيق ومن هو الصديق، ولا تنقلب فيها الحقائق ولا تختلط فيها الرؤى فتجعل العدو صديقا والجار عدوا والشقيق لم يعد حتى مجرد صديق.
الأمن الاستراتيجي شيء والخلل في التصور الاستراتيجي للأمن شيء آخر، والأمن فقط مع استمرار بقاء الاحتلال قد يحقق الهدوء مؤقتا لكنه أبدا لا يجلب السلام.. وحده الحق والعدل بزوال الاحتلال ووقف العدوان هو الذي يجلب الأمن والسلام معا.