نشرت إحدى الصحف تقريرا يفيد بأن الهنود تخلصوا من 40 مليون جنين أنثى على مدى ست السنوات الماضية عن طريق عمليات الإجهاض، مستغلين بذلك تكنولوجيا الفحص بالموجات فوق الصوتية التي تتعرف على نوع الجنين، وتقول نشرة «لانسيت الطبية البريطانية» إن ما يصل إلى نصف مليون جنين من الإناث يتم إجهاضهن كل عام في بلد يسمح بالإجهاض.

كما يشير هذا التقرير الميداني إلى أن المناطق الريفية مثل مدينة البنجاب لديها خمسمئة أنثى مقابل ألف ذكر في حين هناك 300 أنثى مقابل 1000 ذكر في المناطق الحضرية، هذا عن الهند أما في الصين ففي عام 1980 حين قررت الحكومة الصينية العمل بسياسة الطفل الواحد في برنامج تحديد النسل بعد أن تجاوز عددهم المليار أصبحت كثير من العائلات تستنجد بالصور فوق الصوتية لمعرفة إذا ما كان القادم بنتا تسقطه، أما في الثقافة العربية فيذكر أن الوأد في الجاهلية بدأ عند قبيلة ربيعة .

حيث روي أن إحدى السبايا ابنة أمير من قبيلة ربيعة بعد الصلح فضلت سابيها على أبيها لكن من المتفق عليه أن بني تميم وبني كندة و بني ربيعة كانوا من القبائل التي انتشر فيها وأد البنات، ومن المفارقات أن عمر بن الخطاب كان يروي أنه كان يهيل التراب على ابنته في القبر وهي حية، وأن ابنته كانت تمسح له لحيته من التراب المتناثر الذي يهيله، كان ذلك قبل إسلامه، أما بعد إسلامه فمرة وجدوه يبكى، متأثر من فعلته وقسوة قلبه قبل الإسلام .

على الرغم من أن الإسلام جاء قاطعا هذه العادة بالتهديد والوعيد و لم تعد الفتاة تقبر، إلا أن أشكالا عديدة من الوأد المعنوي لا تزال تمارس بحقها في عصر يسمى حديثا ومتحضرا!

لم تعد الفتاة تتزوج وتنسى أهلها، ولم تعد النساء تسبى، بل انه في بعض المجتمعات الشرقية تضحي الفتاة بآمالها لصالح العائلة، والإحصاءات تشير بأن المرأة بارزة في مجالات التفوق العلمية العديدة، والفتاة تتفوق في دراستها على الولد الذي يلهو بالسيارات وتجربة متع الحياة القصوى في الشارع، أيضا في الهند حيث تجهض الأجنة الإناث بهذه القدر الهائل، تعتبر سونيا غاندي زعيمة حزب المؤتمر الحاكم من أشهر النساء في الهند وقبلها كانت انديرا غاندي رئيسة وزراء الهند السابقة، فلماذا لم تتحسن بعد صورة النساء ولماذا ظل اللاوعي والتراث الشرقي يحيي تلك القيمة غير الإنسانية، ولماذا عجزت الثورة الثقافية وتحسن طرق العيش من تصحيح هذا الواقع؟

السبب هو أن معظم القوانين العربية هي التي تحرس سجن النساء في هذا الواقع المتدني قبل تقاليد المجتمع، فحتى اليوم تحرم أولاد المواطنة في دول عربية عديدة من حمل جنسيتها لو تزوجت من رجل غير جنسيتها، فيما تمنح زوجة الذكر وأولاده جنسية والدهم، ويقبض الذكر معاشا أكبر مما تقبضه أنثى تعمل معه بنفس الجهد والكفاءة، في السعودية مثلا لا يرث الأبناء راتب أمهم التقاعدي إذا كان الأب يحصل على راتب تقاعدي.

ولا تزال بعض القوانين التي تسمى بقانون الشرف في الأردن ومصر تمنح أحكاما مخففة لا تتجاوز السجن ستة أشهر إذا ما قتل الذكر أخته أو أمه بحجة الحفاظ على الشرف فيما يتسامح المجتمع العربي عن معظم التعديات التي يرتكبها الذكور من فساد الذمم والتخلي عن الواجبات الدينية والمدنية، والدخول في علاقات محرمة، ويبقى شرفهم ناصعا.

في الخليج تعاني المرأة من التهميش لكن بدرجات متفاوتة، ففيها سياسات تدفع بالمرأة لتتقدم وتسن القوانين لتحمي حقوقها بدءا من حقها بتزويج نفسها وانتهاء بحقها في الترشيح للبرلمان لكن التقاليد تبقى في أحيان كثيرة تعاند الوقت وتبطئ تقدمها، إلا أنه في بعض بلاد الخليج تستخدم السياسة لحراسة النساء معتبره أن واقعها المتردي هو نتيجة لتخلف الثقافة .

وأن لا يد لها فيه، بينما القوانين نفسها هي من يتجاهل ويمنع النساء من حقوقهن بدءا من حقوق الأحوال الشخصية وانتهاء بمشاركتها في سياسة وتنمية المجتمع بفرص مكافئة لما للذكور، فعلى سبيل المثال يروج اليوم أن منع حق قيادة المرأة للسيارة هو موقف اجتماعي متحفظ صرف، بينما في الواقع هناك نظام مروري مكتوب يمنع المرأة من القيادة و يصادر سيارتها إن فعلت، كما أن فتوى تحريم قيادة المرأة للسيارة صدرت ونشرت من قبل أعلى هيئة دينية حكومية!

تزداد بعض الذهنيات توحشا وتغرق في البدائية كلما تعلق الأمر بقضايا النساء، وقد قابلت بعضا من الناس ممن يود ـ لولا حاجته للنساء من أجل التكاثرـ أن يعزلهن في جزر بعيدة أو يرمي بهن وراء البحر فهن من وجهة نظرة سبب لكل الشرور، أما كيف يحدث هذا فلأن هذه الذهنيات تتمدد بسلطتها داخل المجتمع ومؤسساته التعليمية والتثقيفية وتجعل من تفكيرها هذا دروسا وعظات يعاد صناعتها وتبني توجهاتها الشرسة حيال النساء، وتدرس في المدارس، حتى تعاد خلق ذهنية مجتمعية من النساء والرجال يحاربون المرأة ويعملون على إبقائها قزما صغيرا فاقد الأهلية والإرادة لأنه لا ينتج إلا الشر إذا ما فكر وقدر .

إن كانت هذه الثقافة وهذه القوانين هي السائدة فمن بربكم يطمح أو يفرح بأن يكون مولوده القادم أنثى، بل سيظنون أن في قتلهن رحمة!!

كاتبة سعودية

bdryah@gmail.com