رسالة ادموند توتو، الحائز على جائزة نوبل للسلام، من غزة؛ كانت صرخة ومحاكمة متميزة، في آن. صرخة مدوّية بوجه عالم يلوذ بصمت مريب ومعيب، هو «عار» على الجميع إزاء الوضع «الشنيع» في القطاع، كما قال. ومحاكمة لإسرائيل وسياساتها العدوانية ولواشنطن التي تفيض عليها بغزير الدعم والحماية.

كلام صادر عن رجل له تاريخه وصدقيته المشهود له بهما. وصادر في أعقاب جولة ميدانية، قام بها كرئيس لبعثة حقوق الإنسان إلى غزة. كانت صرخة ضمير بامتياز، تركت أصداء واسعة. قبل أسابيع قليلة، سبقه كلام جريء، للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر؛ الذي زار المنطقة ومنعته إسرائيل من العبور إلى القطاع؛ عندما وضع مفاعيل الحصار في خانة الجرائم ضدّ الإنسانية.

تلاه صدور تقرير «منظمة العفو الدولية»، الذي توقف هو الآخر عند الممارسات الإسرائيلية، في الضفة وغزة؛ وأشار إليها بإصبع الانتهاكات لحقوق الإنسان الفلسطيني. كل هذه الإدانات والصرخات الصادرة عن جهات دولية موثوقة، توالت على مدى أيام قليلة؛ وسمع بها العالم. طبعاً إسرائيل تتجاهلها، بقدر ما تنزعج منها وواشنطن.

كما هو معروف ومألوف، لا تقبل أي نقد موجه لإسرائيل ولا لممارساتها، في الأراضي المحتلة. ناهيك بإدانة وشجب هذه الممارسات. دائماً تتبنى الذرائع الإسرائيلية وتوفّر لها الغطاء. سواء في مجلس الأمن الدولي، أو في غيره من الدوائر والعواصم الدولية. وفي غالب الأحيان تضرب هذه الإدانات بعرض الحائط. أو تدير لها الأذن «الطرشاء».

وبالتأكيد، أغاظها ما قاله الأسقف توتو؛ والرئيس كارتر؛ وأيضاً ما ورد في تقرير منظمة العفو. فهي ليست في وارد التوقف، حتى لا نقول الاستدراك، عند مثل هذه الإدانات؛ بالرغم مما تسببه من إحراج. لا الوقت المتبقي لها في الحكم يسمح بذلك. ولا هي في هذا الوارد أصلاً. الأجنحة النافذة فيها، بزعامة نائب الرئيس تشيني، ضدّ فكرة الدولة من الأساس.

وحتى ضدّ أية تسوية. اللوبي الإسرائيلي في واشنطن عمل ولا يزال، على هذا الخط؛ كما أكّد عليه، زبغنيو بريجنسكي؛ مؤخراً. إدارة بوش مشغولة الآن بتعويم أولمرت، صاحب حصار غزة، المحاصر بالفضائح، التي تهدّد بإجباره على الاستقالة. هو يغادر اليوم في زيارة إلى واشنطن، يلتقي خلالها مع الرئيس بوش وأركان إدارته؛ كما مع القيادات اليهودية الأميركية. الكل منهمك في محاولة إنقاذه.

كان التلميذ النجيب في لعب ورقة المراوغة وشراء الوقت، بالصورة المطلوبة التي تعفي الإدارة من وعود أنابوليس؛ وقبله «خارطة الطريق»؛ وما بينهما من جولات وتطمينات، أميركية وإسرائيلية، بقيت حبراً على ورق. صمم إدارة بوش المزمن، لا أمل في تغييره، مهما علت صرخات الإدانة وعلا شأن أصحابها؛ المشكورين عليها.