يبدو أن أيام الوفاق اللبنانية قد انتهت سريعاً ومع إنجاز المهمة الأساسية بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. ومع عودة فؤاد السنيورة لرئاسة الوزارة تضاءلت مساحة المرونة السياسية لدى مختلف الأطراف.
وبات واضحاً أن نزع فتيل الأزمة وتجنب الانزلاق للحرب الأهلية لن يعقبه الاتفاق على بدء مرحلة جديدة من التفاهم على تناول قضايا الخلاف الأساسية بروح تبحث عن الحل وتبتعد عن خطاب التخوين وتستفيد من اختلاف وجهات النظر بالوصول إلى الأفضل للبنان.
كان الكثيرون يبنون الآمال على استغلال مناخ المصالحة لبدء حوار ضروري بين المعارضة وتيار «المستقبل» من أجل تضميد الجراح واستعادة بعض الثقة، ورغم المواقف الحادة من الجانبين أثناء الأزمة.
فقد كان لافتا مع اتفاق الدوحة نغمة التهدئة لدى زعيم تيار «المستقبل» وإعلان المعارضة عن ثقتها به وتفهمها لما أعلنه من تأثره العميق مما حدث أثناء الأزمة واستعدادها التسوية ترضيه في توزيع مقاعد بيروت الانتخابية، وتمتد لعلاج أي جراح شخصية او سياسية على خلفية الأحداث الأخيرة، ليدخل لبنان مرحلة تهدئة حقيقية بعد كل ما عاناه.
وفي الوقت الذي كان بعض المتفائلين يتحدثون عن مصالح أساسية بين المعارضة و«تيار المستقبل» تضمن للبنان أكثرية فاعلة تحقق الاستقرار المطلوب في الفترة القادمة.. كان هذا الاحتمال يقلق الكثيرين في الداخل، ويصطدم مع حقائق الصراع الدائر في لبنان ومن حوله في الدوائر العربية والإقليمية والدولية.
في الداخل يبدو طبيعياً أن تقاوم بعض القوى المتحالفة داخل تحالف 14 «مارس» مثل هذا التوجه الذي ستكون هي أول من يدفع ثمنه في الانتخابات القادمة، وبصورة اصغر ستقاوم مثل هذا التوجه قوى هامشية في المعارضة خارج التحالف الأساسي بين «أمل» و«حزب الله» والجنرال عون.
وكانت عملية اختيار رئيس الوزراء فرصة لحسم الأمر داخل تحالف الموالاة باختيار شخصية تكون محل توافق عام، لكن الأطراف الأخرى التي كانت ترى مصلحتها في وضع العقبات أمام إتمام المصالحة، رفضت هذا التوجه، معتبرة أن استبعاد السنيورة الآن يعني التسليم بالهزيمة أمام المعارضة.
وأن بقاء مناخ الانقسام داخل مجلس الوزراء وفي الشارع السياسي حتى الانتخابات القادمة سوف يكون في صالحها، رغم أن آخرين كانوا يرون وجود الحريري على رأس حكومة الانتخابات سيكون دعماً له ولتيار «المستقبل» في هذه الانتخابات !!
وإذا كان الاتجاه قد حسم لاختيار السنيورة، فإن ذلك لم يكن استجابة لهواجس انتخابية أو لعداء سياسي أو مذهبي في الداخل فقط، ولكنه كان مرتبطاً بمواقف عربية وإقليمية ودولية تدرك أن القصة لم تنته والمعركة لم تحسم، وأن ما حدث هو عملية تهدئة تم التوافق عليها ضمن رؤية لا تشمل لبنان فقط بل المنطقة كلها.
فقبل شهور من انتخابات الرئاسة الأميركية يبدو الوضع في المنطقة بالغ التعقيد وبالغ الخطورة، وأي خطأ في الحسابات قد يقود إلى كارثة، وما يهم الإدارة الأميركية الآن هو ترسيخ الوجود الأميركي في العراق والوصول إلى اتفاقات تضفي «الشرعية» على بقاء الجيوش الأميركية وتضمن الهيمنة على بترول العراق.
أما باقي القضايا فهي قضايا مؤجلة رغم الصخب الإعلامي والتحركات السياسية والكلام عن مفاوضات وحلول، والتي لا يراد بها إلا تطويق الأزمات حتى لا تنفجر في هذا الوقت الحرج، وحتى لا يحاول أحد استغلال فترة انشغال أميركا بانتخابات لتفجير الموقف هنا أو هناك.
ومن هنا جاء مناخ التهدئة الذي مهد لاتفاق الدوحة، والذي يحاول أيضا تحقيق اتفاق تهدئة في غزة بين حماس وإسرائيل، والذي يسير وراء عملية «أنابوليس» حتى الآن وهو يعرف أنها لن تؤدي إلى شيء، ثم الذي أطلق أخيرا المباحثات بين إسرائيل وسوريا دون أمل في حل في المستقبل المنظور.
بل إن سوريا تعلن أن المباحثات ستظل في صورتها غير المباشرة ولن تبدأ المباحثات المباشرة إلا بعد الانتخابات الأميركية. أما إيران فالوقت بالنسبة لها قضية حياة أو موت.. سواء لبرنامجها النووي أو لترسيخ نفوذها في العراق ومن ثم في المنطقة.
الكل ـ في هذه الفترة المليئة بالاحتمالات ـ يبحث عن التهدئة لا الحل. الكل يريد شراء الوقت لتعزيز مواقعه أو لتجنب صدام يفرض عليه أو لتمهيد الطريق للخروج من ورطة وقع فيها. الكل يدرك خطورة الموقف في ظل تعدد بؤر الانفجار.
والوضع الأميركي الملتبس بين حضور عسكري وغياب سياسي، والأزمة التي تعصف بإسرائيل بين الضعف الداخلي والطموح لاستغلال الظروف الراهنة لحسم الموقف لصالحها، والوضع الإيراني الذي يستفيد من أزمة أميركا في العراق ومن ضعف العرب وانشقاقهم.
الكل يريد شراء الوقت ويبحث عن التهدئة ليعود (بعد فترة الريبة والشكوك والانتخابات) لمواصلة الصراع على مستقبل المنطقة، فأين سنكون نحن؟ هل نستغل الفرصة لتمتين وحدتنا الداخلية وتسوية صراعاتنا الصغيرة والوصول إلى رؤية مشتركة سواء داخل كل قطر عربي.
أو على مستوى النظام العربي..أم أننا سنظل على انقسامنا وتشرذمنا تاركين أمر القرار في مستقبلنا ومستقبل المنطقة لغيرنا؟ هذا هو السؤال، وأظن أننا جميعاً نتوقع إجابته مسبقاً، وندعو الله ألا تكون هي الإجابة الصحيحة !!
كاتب صحفي مصري
