إنها مفارقة في غاية الإضحاك، يرتفع ثمن برميل النفط بفعل مضاربات بارونات النفط في بورصات الطاقة العالمية التي تتحكم فيها الدول الغنية، ويستفيد من تلك الارتفاعات شركات البترول متعددة الجنسيات، بينما يدفع المحرومون والجائعون والعاطلون عن العمل في دول العالم الفقيرة فاتورة الفارق في الثمن من رغيف خبزهم وقوت يومهم.
ومع أن المنطق الذي تحتج به الدول الغنية مقبول عقليا، بأن زيادة أسعار الطاقة تؤثر بشكل مباشر على تكلفة إنتاج الغذاء، فيصبح لازما أن يرتفع ثمن رغيف الخبز ومعه كل ما يدخله البشر في أجوافهم.
ولكنه منطق مرفوض أخلاقيا لأن الاقتصاد لا يفسر لنا إشكاليتين متعلقتين بأسعار برميل النفط، الأولى: أن انخفاضها لا يقابله انخفاض في أسعار السلع والخدمات، وكأن ضمير المنتجين والمسوّقين لا يستيقظ إلا لإنقاذ جيوب أصحاب الرساميل، وأما المستهلكون فلا بواكي لهم.
الإشكالية الثانية: ناجمة من أن ارتفاع أسعار النفط يسمن خزائن شركات البترول المنتمية إلى الدول الغنية، وهذه الخزائن بدورها تصب من تلك العوائد المتدفقة إليها في صناديق الضريبة، فتجد حكوماتها بالتالي ما تدفعه أجورا باهظة لمواطنيها ليشتروا به الشيكولاتة والكافيار الإيراني.
وليس الخبز فقط، أما الدول الفقيرة فلا تجد في خزائنها الخاوية ما تعطيه مواطنيها ليواري عوراتهم أو يسد رمقهم، فلا يملكون إلا أن يبيعوا بأبخس الأثمان ـ وأيضاً لمواطني الدول الصناعية ـ عرقهم وأعراضهم وأحيانا أبناءهم وأعضاءهم وأحيانا تراثهم وآثار أجدادهم.
مستقبل الجوع الذي بشرتنا به الدول الصناعية بطريقة مفاجئة، لم يكن مفاجئا لها، بل كانت وما تزال له مقدمات كثيرة؛ المقدمة الأولى: أن أميركا التي تسعى لأن تبقى قوة عظمى لقرن قادم، قد وجدت نفسها متخمة بأشكال القوة العسكرية حتى لم يعد لديها متسع ولا قدرة لمزيد من التمدد.
ووجدت أن العالم ما يزال لديه متسع لمزيد من الضعف والوهن، فكان الحل أن يجوع العالم ويجوع ويجوع حتى لا يجد مهرباً من هذا الإذلال إلا بأن يركع ويخضع ويسبّح بحمد القطب الأوحد.
المقدمة الثانية: مع أن الدول الصناعية هي آلهة الآلة، إلا أنها تدرك جيدا أن الإنسان ليس بآلة ومن ثم فإن حاجته إلى الغذاء والطعام هي التي يتوقف عليها نشاطه وقوته، فأبقت نفسها دولا زراعية كأكبر الدول الزراعية في العالم.
بل إن أكبر مزارع الغلال والمحاصيل الزراعية المتواجدة في دول العالم الزراعية هي مزارع مملوكة للبرجوازيين والأرستقراطيين من مواطني الدول الصناعية؛ وما دام الأمر كذلك فهذا يعني أن فاتورة الغذاء يجب أن تبقى دائما وأبدا متفوقة على فاتورة النفط.
وأن يبقى العالم الصناعي غنيا ويزداد ثراء، ويبقى العالم الفقير بما فيه الدول النفطية فقيرا ويزداد فقرا، وإذا لزم الأمر فسيلقي العالم الصناعي ـ كما اعتاد ذلك ـ بجزء من الغذاء في البحر أو يحولها إلى وقود حيوي حتى يقل حجم المعروض من الغذاء عن حجم الطلب فتفعل نظريات الاقتصاد فعلها ويجن جنون أسعار الغذاء.
المقدمة الثالثة: أن مسرحية التجويع التي كتب البنك الدولي فصولها وهو يطالب الدول الفقيرة برفع الدعم عن الغذاء وعن رغيف الخبز بالذات كشرط لمساهمته في الإصلاحات الاقتصادية لتلك الدول، ثم تبيّن مع الأيام أن تلك الإصلاحات لم تكن إصلاحا.
وإنما هي ترتيبات يحصل كاهن المديونية الأعظم بموجبها على ضمانات أكثر ثقة بقدرة تلك الدول على سداد ديونها من قوت عيالها ولقمة عيشهم؛ فإذا كانت تلك الدول منهكة ماليا وعاجزة عن إطعام شعبها الخبز يومذاك، فماذا تصنع اليوم وقد بلغ ثمن رغيف الخبز أربعة أمثال ثمنه بالأمس، إنها فرصة جيدة لإملاء الشروط أو الإطاحة بأنظمة الحكم في المجتمعات التي تتضوّر جوعا.
المقدمة الرابعة: أن الدول التي وضعت أولى خطواتها على طريق التقدم كالصين والهند، وباتت منافستها تشكل إزعاجا لا تحبذه الدول المتقدمة، لم يعد من اللائق بالدول المتحضرة أن تستقبل أضيافها بالنار والدخان.
وإنما برغيف كما هي أصول الضيافة، بيد أن اقتناء هذا الرغيف العزيز وفق أصول الضيافة في العالم الصناعي يجب أن يدفع ثمنه من مخصصات ميزانيات التطوير، حتى لا يبقى للتطوير شيء بعدما يتحول المال الذي كان فيها إلى طعام للبطون، وتبقى الأمخاخ نهبا للسغب والخواء.
المقدمة الخامسة: كانت تجربة صغيرة ومحدودة النطاق جرى تطبيقها في العراق إبّان الحصار الاقتصادي تحت مسمى صيغَ بطريقة في غاية الدهاء «النفط مقابل الغذاء»، فانتهب نفط العراق ولم يصل إلى أجواف العراقيين من الغذاء إلا ما يوازي عشر معشار ثمن النفط المسروق.
وها هي الأيام الأميركية تعاود كرّتها وتوسع نطاق التجربة لتشمل العالم الثالث بأسره، والدول النفطية على وجه أخص وبنفس المعادلة المخادعة: النفط مقابل الغذاء، أو رغيف خبز واحد بملء برميل نفط.
لقد لعبت أميركا لعبة النفط والغذاء بمنتهى البراعة في عالم يعج بأصحاب النوايا الطيبة، فكانت تطل تارة برأس المسيطر على أسواق النفط والمتنفذ الذي سيوقع العقوبة على المتلاعبين بمصائر الدول المتقدمة من «الأوبكيين» المنتمين إلى العالم الناقم على الدول الصناعية، وكأن «الأوبكيين» بيدهم حرية اتخاذ القرار وليسوا متفرجين كغيرهم.
أو أن تراب الذهب الأسود لم يتدنس حتى الآن بأحذية الجنود الأميركان وعجلات آلياتها العسكرية في قواعدها الجاثمة على صدر آبار النفط؛ ثم تطل تارة أخرى برأس المستهلك الأكبر والمتضرر الأوحد والمستسلم بلا حول ولا قوة لهذا الجنون النفطي، ثم ما تلبث أن تدور مطابع عُملتها الخضراء لتدفع ثمن الوقود الذي يحرك آلة حضارتها الصناعية بحفنة من ورق لا تساوي إلا تكلفة طباعتها.
مع هذه الانطلاقة الصاروخية لأسعار النفط، على العالم إذن أن يتهيأ لمزيد من الجوع، جوع سببه عجزه المادي من الآن وصاعدا عن سداد فاتورة غذائه بعدما أنفق شحم شتائه على جذوع الكونكريت وتطوير الرياضة والفن بدلا من تطوير الزراعة والصناعة والتعليم، وجوع ثان أو هو صوم يحارب به جشع العالم الصناعي في هجوم مضاد.
فإذا نجح الفقراء في الصبر على الجوع حتى يفسد الغذاء في مستودعاته وصوامعه، ويتكوم الغبار على سلع الرفاهية والكماليات، فلربما عندها تهدأ نوبات الصرع التي تنتاب الأسعار، ويستسلم العالم المتقدم المتعطش للثراء وللمرة الأولى أمام ثورة الجوع التي تقودها البطون الممتلئة بالقناعة والزهد، والنفوس المترعة بالثقة والإرادة.
كاتب إماراتي