أدخلت فضيحة الفساد التي تحاصر رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت الطرف العربي في دورة جديدة من متاهة المفاوضات، التي ما إن تنتهي إحداها إلا وتبدأ أخرى دون حدوث أي تقدم يذكر على صعيد إنجاز مجرد خطوة سلمية واحدة، أو استعادة جزء من الحقوق المغتصبة.

هكذا حال المفاوضات العربية الإسرائيلية منذ انطلاق قطار التسوية من محطته الأولى في مدريد مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي. الحاصل أن العرب ظلوا طيلة السنوات الماضية رهينة حلم السلام المستحيل مع عدو لا يعرف سوى لغة العدوان والقوة لفرض «السلام» الذي يريده، وهو سلام زائف لا يعيد حقاً ولا يعترف بشرعية.

بل درج منذ قيامه على ارض فلسطين المغتصبة على فرض الأمر الواقع، وانتهج أسلوب «اغتصب ثم فاوض» أو افرض واقعاً وحوله إلى شرعية يذعن لها الآخرون. لكن هذه المرة تفجرت فضيحة فساد أولمرت على يد اليمين الصهيوني وأعوانه من عناصر «اللوبي اليهودي الأميركي» في لحظة ظن كثيرون أنها نقطة تحول سلمي مع سوريا بفضل الوساطة التركية، وهي وساطة تستعيد حضور تركيا كقوة إقليمية فاعلة.

لكن جاءت رياح إسرائيل بما لا تشتهي سفن التسوية السلمية، وعصفت بآمال الخروج من حقول الموت والألغام الإسرائيلية سالمة ودخول ساحات الاستقرار. وتشهد الأحداث الماضية بأن أولمرت لم يكن أبداً رجل سلام، فهو مهندس متاهات التفاوض لإهدار وقت وجهد السلطة الفلسطينية، وصاحب أبشع أصناف الاغتيالات السياسية لقادة المقاومة وللمدنيين العزل.

فضلاً عن فرضه الحصار القاتل على غزة على خلفية نجاح رهان دفع الشعب الفلسطيني للانقلاب على المقاومة. ووفقاً لرؤية أولمرت فإن السلام مع الفلسطينيين لن يتحقق إلا بعد أن يتم تصفية المقاومة، وإن تحقق فهو لن يعترف بحق عودة المطرودين من وطنهم ولن يسمح بقيام دولة حقيقية ولن يعيد القدس للعرب.

والحال هكذا فإن سقوط أولمرت أو نجاحه ليس القضية، لأنه خلال عقدي التسوية منذ مدريد ومنذ أوسلو 1 و2 وكامب ديفيد 2 وواي ريفر وشرم الشيخ أبرمت اتفاقيات وبروتوكولات برعاية رؤساء أميركيين جمهوريين وديمقراطيين وبتوقيع رؤساء حكومات إسرائيليين من أحزاب العمل والليكود وكاديما، غير أنها دخلت في متاهة التسويف والتفاوض على كيفية التفسير والتطبيق.

والشاهد أننا سنعيد الكرة ونبدأ من الصفر في دورة جديدة من التفاوض غير المنتج أو المجدي، سواء كان الجالس على كرسي رئاسة الحكومة الإسرائيلية أولمرت أو بنيامين نتانياهو أو تسيبي ليفني التي أصبحت في الخطاب الإسرائيلي (جولدا مائير الجديدة).

لكن المطلوب الآن أن نعي الدرس ونضع منهجاً للخروج من هذه المتاهة ونرفع التناقض المفتعل بين المقاوم والمفاوض، فهما كيانان متضايفان لا يمكن لأحدهما أن يلغي الآخر أو يحقق نجاحاً من دون الآخر.