المسألة ليست مسألة أشخاص، بل توجهات وخطط وبرامج، وطالما سيبقى السياسيون في هذا البلد يُقدِّمون الشخص على البرنامج، سنبقى نقع في مطبات الفشل.
مناسبةُ هذا الكلام هي أن الجدل السياسي القائم حالياً يتمحور حول الأشخاص لا حول البرنامج: يأتي سؤال: مَن يكون وزير الداخلية أو الصحة أو الإتصالات؟
قبل سؤال: ما هي خطط وزارة الداخلية أو الصحة أو الإتصالات؟ مَن يكون رئيس الحكومة؟ قبل سؤال: ما هو برنامج الحكومة؟
إن أعظم شخص لا يستطيع أن يفعل شيئاً من دون أن يكون متسلحاً ببرنامج، كما إن أي شخص عادي يستطيع أن يقوم بأبهى الإنجازات إذا ما تزامن دخوله إلى الحكومة مع برنامج واضح ومتكامل.
الرئيس فؤاد السنيورة على رأس حكومة ثانية، على التوالي، هل ينجح؟ كيف وأين? هل تأتي حكومته متجانسة؟أم يُعيد التاريخ نفسه ويتشابه الأداء مع الحكومة السابقة التي (عمّرت) ثلاثة أعوام إلا عدة أسابيع؟
وبعد ذلك نقاط ضعف هذه الحكومة، قبل انطلاقتها، هي التالية: امتناع الكتلتين الشيعيتَين الوحيدتين عن تسمية الرئيس السنيورة، وهذا يعني أن طائفةً أساسية في البلد لن تُوفِّر الغطاء لحكومة العهد الأولى. امتناع كتلة العماد عون عن تسمية الرئيس السنيورة، فتُضاف كتلة مسيحية كبرى إلى الكتلتين الشيعيتين.
هذه انطلاقة عرجاء وأخطر ما فيها أنها مخالفة لإتفاق الدوحة بأحد البنود الرئيسية فيه، فالإتفاق المذكور اشترط عدم استقالة الحكومة أو أي وزير فيها قبل موعد الإنتخابات النيابية المقبلة، فيكون وجه المخالفة أن ثلاث كتل نيابية (استقالت) قبل التشكيل لأنه متعذِّرٌ عليها أن تستقيل بعد التشكيل، وهكذا فإنه عند كل قرار ستتخذه هذه الحكومة المقبلة، لا يُعجب وزراء هذه الكتل الثلاث، سينبرون إلى القول إنهم في الاساس معترضون على هذه الحكومة بدليل أنهم لم يُسمّوا رئيسها؟
تعتري (سلة) اتفاق الدوحة (ثغرات)، ويُخشى إذا لم تُعالَج أن تتحوَّل إلى (فجوات) من شأنها أن تتسبَّب في إسقاط الإتفاق.
لتحاشي هذا المنزلق، لا بد من التعويل على الدور الراعي لرئيس الجمهورية، فاتفاق الدوحة ما كان لينطلق لولا النجاح في إجراء الإنتخابات الرئاسية، وكل المؤشرات تدل على أن رئيس الجمهورية يتروّى في الأيام الأولى للعهد لكنه لن يسمح للإتفاق بأن يسقط أيّاً تكن الإعتبارات والمطبات والعراقيل.
اليوم يبدأ الرئيس المكلَّف فؤاد السنيورة استشارات التأليف مع الكتل النيابية. جرى التقليد ان يطرح رؤساء الكتل على الرئيس المكلَّف (مَن يرونه مناسباً) لدخول الوزارة، هذا من الناحية النظرية، أما عملياً فإن المسألة لا تتجاوز عملية المحاصصة.
لهذا نتوجه الى الرئيس المكلَّف والى رؤساء الكتل في آن واحد لنقول لهم:اسألوا صفوة قومكم سواء في الداخل أو في الخارج أو بالتساوي بين لبنان المقيم ولبنان الخليجي والمغترب، ضعوا نصب أعينكم وأنتم تختارون الأسماء وتغربلونها ان هناك متفوّقين ولامعين في الخارج من أمثال السيد عثمان سلطان الذي أبدع في عالمه، في دولة الامارات العربية المتحدة وهو رئيس أكبر شركة للاتصالات المتكاملة.
كثيرون يُبدون كلَّ استعداد لخدمة بلدهم وان يُعطوه لا أن يأخذوا منه، أما اذا كنتم محرجين في بعض الأسماء فاعطوها مناصب في أحزابكم وتياراتكم أي من (حسابكم) وليس من حساب مؤسسات الدولة.
هذا الكلام ينطبق على الجميع من دون استثناء، أليس لدى العماد عون مناصرين في أوروبا وأميركا ممن نجحوا في مجالاتهم؟ لماذا لا يتم التفكير فيهم عند تشكيل الحكومة؟ أليس لدى الرئيس بري أنصار متفوّقين في أفريقيا؟ انه الوقت لجعلهم يشعرون بأنهم مواطنون.
اذا اعتُمدَت هذه المعايير عند التأليف، تكون الحكومة قد وضعت حجر الأساس لبناء دولة عصرية، وعكس ذلك نبقى نراوح في الترقيع.
