منذ ان تنفس لبنان ومعه كل المنطقة الصعداء بالتوصل إلى اتفاق الدوحة الذي مهد للدخول بالفعل إلى مرحلة لبنانية جديدة، انتعشت الآمال في لبنان ومن حوله بأن يعود لبنان إلى حالته الطبيعية وإلى دوره الذي طالما اضطلع به عربيا واقليميا. ولم يكن مصادفة أبدا ان يشير رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري إلى ان لبنان الذي فرق العرب اعاد وجمع بينهم في اتفاق الدوحة.
على أية حال فإن انتخاب وتولي الرئيس اللبناني الجديد العماد ميشال سليمان لمهام منصبه، وما جاء في خطابه أمام مجلس النواب اللبناني من ناحية، وما أعلنه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله من مواقف للحزب من ناحية ثانية، يتكامل في الواقع مع ما أعلنته أركان الأكثرية النيابية اللبنانية بشأن أهمية وضرورة التعايش المشترك بين كل الطوائف والقوى اللبنانية، وهو ما يشجع في الواقع على النظر بأمل أكبر بالنسبة لمستقبل الأوضاع في لبنان الشقيق.
ومع انطلاق المشاورات الخاصة بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية امس، وما يترافق معها من اتصالات ومشاورات واستطلاعات رأي ووجهات نظر امتدت لتشمل كل الأطراف والقوى اللبنانية دون استثناء، فإنه من الواضح ان كل القوى السياسية اللبنانية تشحذ الآن قواها وقدراتها من أجل الاسهام في رسم ملامح وصورة لبنان اليوم وغدا.
صحيح ان اتفاق الدوحة قد وضع مبادئ وأسسا محددة، تم التوافق بين الأكثرية والمعارضة بشأنها، ولكن الصحيح ايضا ان هذه الأيام تتسم بالكثير من الأهمية لأنها تشهد بداية ترجمة الاتفاق، أو على الأقل الجزء المتعلق بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية - اللبنانية إلى واقع عملي، بما يفسح المجال أمام تكامل مؤسسات الدولة اللبنانية وممارستها لمهامها.
ويزيد من أهمية ما يجري الآن من مشاورات ان هذه المشاورات وما ستتوصل إليه من اتفاقات وما قد تواجهه من صعوبات بالنسبة لأمر أو آخر سيكون في الواقع مؤشرا شديد الأهمية بشأن المستقبل وما يمكن ان يجري على الساحة اللبنانية خلال الفترة القادمة.
وإذا كان الأمين العام لحزب الله قد أوضح نقاطا مهمة وعلى أكثر من صعيد، فإن تأكيده على التعايش والتعددية في لبنان وعلى مشاركة مختلف القوى اللبنانية وعلى عدم استثمار السلاح لأغراض سياسية داخلية بحيث يوجه السلاح إلى الأهداف المحددة له، من شأنه ان يفتح المجال أمام امكان التوصل إلى تفاهمين حول توزيع حقائب الحكومة القادمة، على جانبي الاكثرية والمعارضة، وبعد اختيار رئيس الحكومة وهو ما ستفرزه المشاورات الجارية على قدم وساق والتي ستتواصل بالضرورة خلال الأيام القادمة.
من جانب آخر فإنه في الوقت الذي يتمتع فيه الرئيس اللبناني المنتخب بثقة وتأييد مختلف الأطراف اللبنانية، وهو ما يعزز قدرته على القيام بمهامه وعلى صيانة المصالح اللبنانية داخليا وفي العلاقة مع مختلف الأطراف المعنية بلبنان، فإن يقظة وقدرة الجيش اللبناني على حفظ الأمن في بيروت وعلى امتداد الأراضي اللبنانية تزداد أهميتها خلال الفترة القادمة، حتى لا تتاح الفرصة أمام أية تجاوزات لأن تتحول إلى مشكلة بين الأشقاء على أي مستوى من المستويات.
وأمام دقة الأوضاع اللبنانية والإقليمية فإن دورا ومسؤولية كبيرة تقع على عاتق الفرقاء اللبنانيين بكل قياداتهم وأطيافهم السياسية والدينية فيما يتصل ببذل كل الجهود للحفاظ على الهدوء والأمن والاستقرار في لبنان، وفي التعامل مع اتفاق الدوحة بروح لبنانية مرنة وراغبة وحريصة على تحويله إلى قاعدة لتحقيق الاستقرار والسير نحو بناء حياة افضل لكل اللبنانيين. والمؤكد انهم قادرون على ذلك إذا قرروا حقا الوصول اليه، خاصة وانهم الآن أقرب ما يكونون اليه.
