باقتراب الحملة الانتخابية الماراثونية في الحزب الديمقراطي بين السيناتور باراك أوباما وسيدة أميركا الأولى السابقة السيناتور هيلاري كلينتون على نهايتها تثار عدة أسئلة حول طريقة تغطية وسائل الإعلام الأميركية للحملات الانتخابية للمرشحين على مدى عدة شهور.

وخاصة أن الأمر هذه المرة يتعلق بمنافسة بين مرشحة امرأة ومرشح ملون أفرو-أميركي، مما يثير تساؤلا كبيرا جدا وهو ما مدى استعداد المجتمع الأميركي لتتولى أمره امرأة أو يرأسه رجل أسود.

هل أستطاع الإعلام الأميركي أن يلتزم بمبادئه وقيمه وقواعده المتعلقة بالموضوعية والنزاهة والالتزام بالحقيقة والإخلاص والتفاني لقضايا المواطنين وتبني مبدأ التأكد من المعلومة والحفاظ على استقلالية الصحافي بعيداً عن الضغوط ومحاولات الاستغلال والابتزاز؟

وإلى أي مدى استطاع الإعلام أن يكون عنصرا فعالا في الكشف عن الحقائق وعن البرامج السياسية للمرشحين بعيدا عن التضخيم والتركيز على الأمور الشخصية بدلاً من الاهتمام بالقضايا الرئيسية والمسائل المصيرية التي تهم الشعب والأمة.

إشكالية الشكل والمضمون والأساسي والثانوي تطرح نفسها بقوة في مجتمع أصبح الإعلام فيه هو الذي يحدد الأجندة وهو الذي يحدد مسار الانتخابات والفائز بها إلى حد كبير. تتحفنا وسائل الإعلام الأميركية كل أربع سنوات بزخم إعلامي كبير قد يستغرق شهورا عديدة تستعرض من خلاله فنون التغطية الإعلامية للحملات الانتخابية للرئاسيات الأميركية .

وذلك من خلال نقل المناظرات التلفزيونية والمؤتمرات الصحفية والحملات الانتخابية الماراثونية التي ينظمها المرشحون المتسابقون على الفوز بترشيح حزبهم. وعادة ما تكون حملات الانتخابات الرئاسية الأميركية استعراضا سياسيا على مدى عدة شهور يتبارز من خلالها المرشحون في التسويق السياسي وفنون الاتصال السياسي.

وتقول القاعدة الذهبية للاتصال السياسي في أميركا إن قدرة المرشح على التعامل مع وسائل الإعلام ومهاراته في فن العلاقات العامة والتسويق السياسي هي ما تكون في غالب الأحيان المحدد الرئيسي للربح أو الخسارة.

ولذلك يحسب كل مرشح تفاصيل لباسه وفصاحته وكلماته وكل ما يقوله لأنه إذا وقع في زلات لسان وفي أخطاء فإنه لا يُرحم من قبل وسائل الإعلام التي تتصيد كل هفوة أو كبوة قد يقع فيها، وهذا ما وقعت فيها المرشحة هيلاري كلينتون على سبيل المثال لا الحصر.

لكن ما يُعاب على الإعلام الأميركي في تغطيته للحملات الانتخابية الرئاسية هو التركيز على القشور وعلى الشكليات وإهمال وتجاهل المضمون السياسي المهم. فالإعلام الأميركي في العقود الأخيرة بدأ ينحرف ويتأثر بـ «الشو بيز» والتركيز على الجوانب الترويجية والتسويقية وطرق جلب أكبر عدد من المشاهدين والقراء بغض النظر عن الوسيلة.

وبدلا من التركيز على البرامج السياسية للمرشحين وعلى مواقفهم من القضايا الاستراتيجية والحساسة سواء تلك التي تهم الشأن الداخلي أو تلك التي تخص القضايا الدولية وبؤر التوتر في العالم، تركز وسائل الإعلام اهتمامها على القضايا الشخصية للمرشحين وحياتهم أيام الجامعة وعلاقتهم الغرامية وتعاطيهم المخدرات والكحول.

ففي كتابها «نساء نحو الرئاسة: التحيز الإعلامي ضد المرشحات في ثماني حملات انتخابية» ترى إريكا فولك أن وسائل الإعلام الأميركية ظلت تقف بالمرصاد لأي مرشحة نسائية منذ انتخابات 1872 وإلى الحملة الانتخابية الرئاسية الحالية التي تخوض غمارها المرشحة هيلاري كلينتون.

فعادة ما تخصص وسائل الإعلام مساحة تغطية أوسع للمرشحين الذكور مقارنة بتلك المخصصة للمرشحات من النساء. أما بالنسبة لمحتوى التغطية أو نوعية التغطية فالأمر أخطر بكثير حيث نلاحظ الاستهانة بالمرأة والانتقاص من قدراتها وإمكانياتها وإظهارها بمظهر الضعف وعدم الكفاءة والافتقار إلى المهارات القيادية المتوفرة لدى الذكور.

فتغطية الحملات الانتخابية للمرشحات تركز عادة على حصر المرأة في الأنشطة المرتبطة بالبيت والأمومة والتجميل والماكياج والأعمال المنزلية والمطبخ والإقصاء المتعمد والمقصود والذي يكاد يكون منظما ومنهجيا لدور المرشحة في الحياة العامة وفي النجاحات والانجازات التي حققتها المرأة في جميع مجالات الحياة بما فيها السياسة.

وعادة ما تركز وسائل الإعلام على المظهر الخارجي الشكلي للمرأة وتجريدها من مضمونها الفكري وإمكانياتها في الإدارة والقيادة واتخاذ القرارات وخاصة ما يتعلق بالقضايا السياسية والأمنية والاستراتيجية.

ما يُلاحظ على التغطية الإعلامية للمرشحات لمنصب الرئاسة الأميركية هو انحياز الإعلام ضدهم رغم التغيرات الكبيرة والمذهلة التي طرأت على دور النساء في السياسة والصحافة ومختلف مجالات الحياة خلال ال130 سنة الماضية.

هذه التغيرات لم يرافقها تغيير مماثل في الطريقة التي تصور بها وسائل الإعلام المرشحات النساء. هذا ما يعني أن هناك قيما ضمنية ما زالت تسيطر على الآليات التي تحدد المخرجات الإعلامية في تغطيتها للمتنافسين على كرسي الرئاسة الأميركية وخاصة النساء منهم.

من جهة أخرى ورغم أن استطلاعات الرأي العام تشير إلى أن الشعب الأميركي جاهز لأن تتولى أموره امرأة أو أن يحكمه رئيس ملون، إلا أن المؤسسة الإعلامية الأميركية ما زالت غير مستعدة لهذا الوضع الجديد، وما زالت ضمنيا منحازة ضد المرأة وضد الملونين.

فالمتتبع للتغطية الإعلامية للحملة الانتخابية لهيلاري كلينتون وباراك أوباما يلاحظ التركيز على الشكليات والتفاصيل الثانوية على حساب القضايا المصيرية الحساسة سواء على المستوى الداخلي كالتعليم والرعاية الصحية والبطالة ومشاكل الاقتصاد الأميركي وتدهور الدولار.

أو على المستوى الدولي كبؤر التوتر العديدة في العالم والتي تورطت فيها أميركا وتكبدت خسائر تقدر بمئات المليارات من الدولارات وآلاف الأرواح.

أستاذ الإعلام، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae