رحلة الشد والجذب بين إيران والولايات المتحدة الأميركية ليست وليدة اللحظة الراهنة، بل تضرب بجذورها في عمق تاريخي يمتد عدة عقود، من حيث الكم، ويراكم بضعة تجارب مهمة في إدارة التنافس والصراع، من زاوية الكيف.
وما يجري الآن هو حلقة جديدة في سلسلة النبذ المتبادل في العلن، والتقارب الحذر في الخفاء، بين طهران وواشنطن، والذي مر بفترات من التأرجح بين تبادل خطاب سياسي شديد اللهجة والتهديد الذي يقترب بالأمور إلى حافة الهاوية.
ولا تعني اللغة السياسية السائدة بين الولايات المتحدة وإيران، حاليا والتي تتراوح بين التهديد السافر والمبطن وصولا إلى المناورة والتضاغط ومحاولة التماس عند نقاط محددة، أن المواجهة العسكرية بين الجانبين قد باتت على الأبواب، أو أنها مسألة (حتمية).
فالقوة التي تتسم بها إيران، من الناحيتين العسكرية والدبلوماسية، جعلت واشنطن تعمل بجد ويقظة وقتا طويلا حتى يمكنها الحصول من طهران باللا حرب ما يمكنها أن تناله بالحرب. ومن جانبهم يدرك الإيرانيون هذه المسألة جيدا، ويستخدمون الخبرة المتراكمة لديهم في إدارة المجابهة مع الأميركيين من أجل دحض الذرائع التي يمكن أن تفضي إلى عمل مسلح واسع النطاق، يأتي على الأخضر واليابس في المنطقة.
ومهما تردد عن «أبواب مغلقة» بين الجانبين فإن معطيات الواقع تشير بجلاء إلى أن هناك نوافذ للحوار السياسي بينهما ستظل مفتوحة، خاصة عبر أطراف أوروبية، أو حتى من خلال التعاطي المتبادل مع التصريحات التي تخرج من طهران وواشنطن، ناهيك عن «القنوات السرية».
التي لم تسد طيلة السنوات المنصرمة، وساهمت، إلى جانب عناصر موضوعية أخرى، في تأجيل وصول الاحتقان السياسي وتناقض المصالح الاستراتيجية بين إيران والولايات المتحدة إلى «حافة الهاوية».
ومن ثم لم تخرج لغة التهديد الأميركية المستمرة لإيران عن كونها محاولة لتكثيف الضغوط على صناع القرار في طهران بحيث يقدمون تنازلات أو حتى مواءمات للولايات المتحدة في ملفات أخرى غير ملف البرنامج النووي الإيراني وقضية علاقة طهران المزعومة برموز لتنظيم القاعدة.
وتأتي المسألة العراقية في مقدمة هذه الملفات وتليها مباشرة علاقة إيران بحزب الله اللبناني، ثم المصالح النفطية الإيرانية في منطقة بحر قزوين، التي باتت مقصدا لشركات النفط الأميركية العملاقة، لاسيما بعد ارتفاع أسعار النفط إلى مستوى غير مسبوق في التاريخ.
وحال قيام طهران بتغيير مسلكها الداعم لحزب الله، أو توظيف هذه العلاقة فيما لا يهدد مصالح أميركا، أو يخفف من صرامة الموقف الإيراني من إسرائيل سياسة ووجودا، وتقديم طهران تطمينات أو حتى تعاون ملموس مع الولايات المتحدة في استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية بالعراق.
فإن لغة التهديد الأميركي للإيرانيين ستتراجع، أو تفقد طابع الإلحاح، وتدخل في دائرة (المؤجلات) حتى إشعار آخر، خاصة أن إيران شرعت في التعامل بجدية وفاعلية مع مسألة تواجد بعض رموز القاعدة على أراضيها، وتصرفت في هذا الموضوع على أساس أن هؤلاء مجرد متسللين إلى الداخل الإيراني قدوما من أفغانستان، وليسوا أوراقا في يد طهران أو أن هناك حبلا سريا يربطهم بالتيار المحافظ الإيراني.
وبخصوص نفط بحر قزوين، تنتهج إيران أسلوبا عقلانيا في الحفاظ على مصالحها هناك، من خلال بناء شبكة علاقات ملموسة مع جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز وتركيا وروسيا، وتقديم عطاءات مغرية لشركات نفطية عالمية، بما فيها شركات أميركية، من أجل تقديم عروض لإنتاج ونقل النفط من هناك إلى الأسواق الخارجية.
وفيما يتعلق بالملف النووي فإن إيران تبدي مرونة جلية أحيانا وتشددا مدروسا أحيانا، لكنها في كل الأوقات لا تدع الأمور تفلت أو تخرج عن نطاق السيطرة، سواء اللفظية أو العملية، ليبقى كل شيء يجري في حيز الأمان.
وتبقى المسألة العراقية، التي يمكن لإيران أن تعيد بشأنها إنتاج تجربتها مع الولايات المتحدة في أفغانستان. فأيام الحرب ضد طالبان والقاعدة أرسلت واشنطن رسائل تحذير عديدة إلى إيران بألا تتدخل لدعم الشيعة هناك، وتعاملت طهران بجدية مع هذه التحذيرات وأظهرت تدريجيا إمكانية لإدارة الموقف ببراعة بما أبطل أي ذرائع أو ادعاءات أميركية بهذا الخصوص.
وعقب غزو العراق تحدثت طهران دوما، خاصة أيام الرئيس السابق محمد خاتمي، عن أن «الشيعة العراقيين يتخذون أكثر المواقف عقلانية على رغم أنهم يشكلون الأغلبية»، وعلى أن «شيعة العراق لا يسعون إلى إقامة دولة دينية على غرار إيران عقب ثورة 1979» طبقا لما أكدته مراجع دينية في النجف وكربلاء غير مرة.
ويمكن لطهران أن تذهب إلى ما هو أبعد من الإحجام عن التدخل في الشأن العراقي لإزعاج القوات الأميركية، فتبدي تعاونا في المسألة العراقية بدرجة ما تكفي للحصول على الحد الأدنى من رضا الولايات المتحدة، ويمكنها، على النقيض أن تتدخل بقوة، كما يحدث حاليا، بتشجيع قوى وتيارات سياسية إيرانية، مثل التيار الصدري، للضغط على الأميركيين.
عند هذا الحد لن يتسنى لواشنطن، التي تواجه متاعب جمة مستمرة في العراق، أن تدير عجلتها الحربية إلى طهران. فالأخيرة تراكم مع الأيام حججا منطقية تخلع عن هذه الحرب المفترضة أي ثوب شرعي.
والأولى تدرك جيدا أن إيران، بجيشها القوي ومصالحها المتينة مع قوى عالمية وعلاقاتها المتنامية مع محيطها الإقليمي ونظامها السياسي الديمقراطي ونخبتها السياسية والفكرية المتميزة نسبيا ومجتمعها الذي ينضج عبر جدل طبيعي وخلاق.
لن تكون أبدا لقمة سائغة في فم القوة الأميركية الطاغية، والتي أخذت تكبح جماحها وطيشها، بعد أن ثبت لديها أن للقوة حدود. في النهاية فإن رحلة «الفصام» الأميركي في مواجهة إيران والتي زادت حدتها أيام رئاسة بوش تنتهي حاليا إلى فترة نقاهة قد تكون مؤقتة وقد تصل بعلاقة البلدين إلى «الشفاء» التام، حين يتبادل الطرفان التنازلات لمنع التصادم، وليس هناك ما يمنع أن يعثرا على نقاط التقاء بعد كل هذه المتاعب، وساعتها ستتغير أشياء كثيرة في الشرق الأوسط.
كاتب وباحث مصري