كان «سيناريو» الحرب الأهلية يشق طريقه في لبنان. وكان الخوف يملأ القلوب من غدٍ مجهول. حرب الشوارع التي دارت أعادت إلى الأذهان بقوة ذكريات حرب أهلية سوداء استمرّت قرابة خمس عشرة سنة. في مثل هذا المنحدر جاء اتفاق الدوحة كي يوقف تلك «الآلة الجهنمية» ويتم انتخاب رئيس للجمهورية بعد فراغ طويل. وكي تعود الحياة طبيعية إلى شوارع بيروت الجميلة.

كان الحضور العربي والدولي متنوعا وكبيرا ومعبّرا عن مختلف «الحساسيات» أثناء انعقاد جلسة انتخاب الرئيس. الجميع رحّبوا والجميع صفقوا والجميع تمنوا للرئيس الجديد «النجاح» في مهمته الصعبة. وأثبت اللبنانيون بمختلف تنوعاتهم ومشاربهم أنهم «مسؤولون» ولا يريدون خراب بلادهم.

وكانت فرحة الشارع العربي كبيرة برؤية مسؤولين عرب يبرهنون على أنهم قادرون على «نزع شوكهم بأيديهم» وأنه قد بلغوا «سن الرشد» الذي يؤهلهم لمعالجة قضاياهم. ولا شك أن الفرحة بدت أعمق وأكبر بظهور أن القوى الغربية الكبرى قد جرى تحييدها، فـ «البلدان الغربيان اللذان يدعمان لبنان تقليديا، أي فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، لم يلعبا للمرة الأولى أي دور في إعداد اتفاق الدوحة».

كما كتبت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية في افتتاحيتها غداة انتخاب رئيس جديد للبنان. وفي الواقع وجد بعض اللاعبين الرئيسيين في الأزمة اللبنانية أنفسهم «على خط التماس» بعد أن كانوا حتى الأمس القريب في المواقع الأساسية على أرض الملعب «اللبناني».

وبشكل عام التقت التحليلات والتعليقات في وسائل الإعلام الغربية حول موازين «الربح والخسارة» الناتجة عن اتفاق الدوحة على القول صراحة أو تلميحا إن إسرائيل هي الخاسر الأكبر. ذلك أن ما كانت تصبو إليه من تهميش، إن لم يكن «تهشيم»، للمقاومة التي كسرت شوكة آلتها العسكرية في صيف عام 2006، لم يتحقق.

ولم تبخل الصحيفة الفرنسية المشار لها في إرفاق افتتاحيتها بمقال «مشفوع بخريطة» للشبكة الهاتفية لحزب الله والممتدة من «الضاحية الجنوبية» ببيروت إلى صور وجزين وحتى بعلبك، ومع توصيف يقول: «هذه هي خارطة الخطوط الهاتفية المؤمّنة التي تسمح بالاتصال دون تنصّت إسرائيل». وقد يخال لقارئ هذا المقال أن الشبكة المعنية هي أكثر خطرا من مفاعل «ديمونة» النووي الإسرائيلي.

أيضا وفيما هو أبعد من المظاهر الاحتفالية وإعلان التأييد والترحيب التقت التحليلات الغربية على عدة نقاط، وفي مقدمتها القول إن اتفاق الدوحة قد «أوقف التدهور» وسمح بـ «انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية»، هذا قبل أن تضيف: «لكن الأزمة لا تزال قائمة». الأكثر تفاؤلا حيال ما جرى يتحدث عن «هدنة»، ويلحقها القلائل بصفة «مستدامة».

وتُجمع التحليلات المقدّمة على القول إن هناك «أسئلة حاسمة» لا تزال مطروحة وفي مقدمتها «احتفاظ حزب الله بسلاحه رغم قرارات الأمم المتحدة التي تطالب بنزعها». بمعنى آخر يُراد أن يقال إن حزب الله وحلفاءه قد خرجوا «منتصرين» عبر المحافظة على دور نافذ، بل وتعزيزه عبر الحصول على «الثلث المعطّل» في التشكيلة الحكومية الجديدة.

مثل هذا الخطاب، وما جرّه من استقطاب محلّي وإقليمي ودولي، ساهم إلى جوانب عوامل أخرى بالتأكيد في قيام حالة «الانسداد السياسي» الدستوري والتي أدّت إلى مجابهات مسلّحة ودفعت لبنان إلى حافة الحرب الأهلية من جديد.

ولا شك أن فرنسا هي أحد أكثر البلدان الأوروبية وغير الأوروبية، انخراطا في الأزمة اللبنانية. وكانت قد حاولت أن تعطي لمبادراتها سمة أوروبية. لكنها ارتكبت الخطأ الكبير، وربما الأكبر في دور أية قوة خارجية، بإعلان دعمها الصريح والقوي لطرف دون آخر.

وهذا ما كان قد عبّر عنه بوضوح النائب في الجمعية الوطنية الفرنسية «جيرار بابت»، عند اندلاع موجة العنف المسلح الأخيرة، في معرض حديثه عن «أخطاء فرنسا والاتحاد الأوروبي» في محاولة إخراج لبنان من أزمته.

وانتهى إلى القول: «ينبغي على فرنسا والاتحاد الأوروبي، في منظور المساهمة بإعادة التوازن إلى لبنان، استئناف الحوار مع جميع القوانين وتأكيد مبدأ اقتسام القرار». أليس هذا ما جرى تحديدا في الدوحة»؟

في مواجهة الخطاب الغربي، فرح العرب وهم يرون في المشهد أمامهم أصحاب القرار وهم يجتمعون ويقررون «من رأسهم»، بل وهم «يرفعون رأسهم، وفيما يبدو أيضاً وكأنه حالة جديدة تثير الآمال بأن تتكرر حيال مسائل أخرى وملفات أخرى. وفي أن تتكرس حالة الأمن السياسي والاجتماعي التي تجذب الخير والاستقرار و«الاستثمار».

لم تكن فرحة العرب «تشفيا» من الغرب على خلفية أسباب إيديولوجية وعقائدية وسوء فهم «تاريخي»، رغم كل ما يقال ويُردد في هذا الإطار من أن «الشرق شرق» و«الغرب غرب» و«لن يلتقيا»، حسب أطروحة تعود أصلا إلى عدة قرون خلت. لكن لا يزال الكثير يرددونها لأسباب تخدم رؤيتهم «المنغلقة»، «المسيّجة» وفي إطار مجال سياسي «مغلق» هو الآخر.

كاتب سوري ـ باريس

smohaklouf@yahoo.frsd