في المنتدى الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ، كانت قضايا الفقراء على طاولة الأغنياء، حيث تصدرت مواجهة أزمة الغذاء الخطيرة التي هاجمت العالم في الفترة الماضية معظم المناقشات.
بعدما تسببت في العديد من الأزمات الاقتصادية للدول النامية التي لا تنتج احتياجاتها من الحبوب، لاضطرارها إلى تأمين مخزوناتها الاستراتيجية من المواد الغذائية الرئيسية بأسعار مضاعفة من الأسواق العالمية، خاصة القمح الذي يعد المصدر الرئيسي لإنتاج الخبز، رغيف عيش الفقراء والأغنياء على السواء.
بينما تستخدم استراتيجية بوش للطاقة الأميركية الذرة والقمح في إنتاج وقود «الإيثانول» لتحريك الآلات، على حساب غذاء الإنسان فيما يعد من أكبر الجرائم الإنسانية ويضاعف حجم الأزمة الغذائية في العالم!
وقد أثارت تلك الأزمة ذعرا وغضبا في الأوساط الشعبية في الدول النامية ومن بينها عدد كبير من الدول العربية، عبر عن نفسه في شكل مظاهرات وإضرابات واضطرابات اجتماعية بسب أزمات الخبز والوقود وارتفاع أسعار السلع الغذائية، وزيادة أعباء تكاليف المعيشة بما يفوق طاقة الطبقات المتوسطة والفقيرة في ظل ضعف الأجور واختلال هياكل الأجور والأسعار.
وقد حركت تلك الأزمة رجال السياسة وخبراء الاقتصاد في العالم عموما وفي الوطن العربي خصوصا، لبحث وضع الخطط الكفيلة بمواجهة الأزمة وتأمين الغذاء للعالم، وكان من جوانب الأزمة الإيجابية تأكيد قيمة وضرورة التكامل العربي، خاصة في مجال الغذاء وبحث وضع استراتيجية عربية متكاملة لتوفير الأمن الغذائي العربي.
وهنا توجهت أنظار الساسة والاقتصاديين والخبراء والمستثمرين إلى السودان الشقيق باعتباره سلة الغذاء الرئيسية للوطن العربي كله، بما يملك من ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة ومن وفرة المياه وانخفاض تكاليف الإنتاج، ولو أن ثقافة التكامل العربي راسخة وثابتة، لترجمت منذ عقود في شكل استثمارات عربية بمشروعات للتنمية الزراعية والصناعية الغذائية القائمة على التصنيع الزراعي.
ولا يبدو غير بعيد عما جرى ويجري في السودان الآن من صراع محلي، تارة من الجنوب وتارة من الشرق وتارة من الغرب وتارة على السلطة في الشمال، ومن محاولات لزعزعة الأمن في الأيام الأخيرة من هجوم فاشل على أم درمان.
أو من اشتباكات دامية ومؤسفة في «أبيي»، ما لذلك من صلة بأزمة الغذاء وأزمة الطاقة ومحاولات لقطع الطريق على التوجه العربي للاستثمار لتأمين الغذاء العربي في مشروعات في السودان.
فكلما زادت اكتشافات النفط في السودان زادت معها وتيرة الحرب في الجنوب بدعم صهيو أميركي واضح، في محاولة لوقف الإنتاج لإفقار السودان ولمنع الاستثمارات الصينية والماليزية والروسية في مجال الطاقة لمصلحة الشركات الأميركية والغربية.
وكلما زادت التوجهات العربية نحو الاستثمار في السودان في ميدان الزراعة لتوفير الغذاء للوطن العربي وفي مقدمتها المشروع الإماراتي المصري السوداني المشترك لزراعة مليوني فدان بالقمح، تم تحريك التمرد المسلح في الغرب للهجوم بالوكالة على العاصمة لإرهاب الاستثمارات العربية ولتجويع العرب لمصلحة شركات تصدير القمح الأميركية والغربية.
لكن يظل الحل في النهاية مرهونا بالعودة إلى ثقافة الاتحاد لا التجزئة الوطنية والعربية، وثقافة الإنتاج الزراعي والصناعي لا الاستهلاك، والتكامل العربي الجدي لا العمل القطري المنفرد. والمطلوب هو وضع استراتيجية تكاملية عربية للأمن الغذائي العربي، والأهم هو المسارعة الجدية إلى تطبيقها.