من بين حقائق عديدة أظهرتها التطورات الأخيرة للمسألة اللبنانية‏,‏ حقيقة أن العرب قادرون علي العمل لحل مشكلاتهم بأنفسهم‏,‏ وها هم بالفعل قد نجحوا في الحمع بين الفرقاء اللبنانيين علي طاولة حوار واحدة في الدوحة‏,‏ وانتهي الأمر بالاتفاق بين الفرقاء علي انتخاب الرئيس الجديد العماد ميشال سليمان لتدخل لبنان بذلك حقبة جديدة من تاريخها‏,‏ فلماذا لا يكون هذا الذي حدث مع لبنان سابقة حميدة تتكرر مع بقية مشكلاتنا العربية‏..‏ في العراق‏,‏ والسودان‏,‏ والصومال‏,‏ وفلسطين وغيرها؟

قد يقول قائل‏:‏ لكن العرب لا يملكون أوراق قضاياهم بأيديهم‏,‏ وأن هذه الأوراق يمسك بها آخرون خارج المنطقة العربية‏,‏ وبالتالي فلا أمل في ترك العرب ليحلوا مشكلاتهم‏,‏ لأنهم لن ينجحوا‏!‏

هذا كلام اليائسين المنهزمين غير القادرين علي رؤية الأمور رؤية صحيحة‏,‏ وهنا لابد من التذكير بعدة مبادئ أساسية خاصة بالعرب‏,‏ أولا‏:‏ أن مصالح العرب هي في اجتماعهم معا‏,‏ وليس في أن يواجهوا العالم متفرقين‏,‏ وهذا ليس كلاما منمقا إنشائيا‏,‏ بل هو صلب السياسة‏.‏ أليسوا يقولون إن السياسة مصالح؟ فهل من حقق لي مصالحي كعربي شقيق عربي مثلي أم غريب لا يعنيه من القصة إلا ما سيدخل جيبه هو؟ وثانيا‏:‏ أن العالم يتجه الآن إلي التكتلات الإقليمية وليس إلي التفرق والانقسام‏,‏ ولنا في الاتحاد الأوروبي القدوة والمثال‏,‏ ألا تهرول الدول الأوروبية الصغيرة حاليا‏(‏ التي انفصلت عن المنظومة السوفيتية التي انهارت‏)‏ للانضمام إلي الاتحاد الأوروبي لتحتمي بمظلته وتستفيد من الإمكانات والفرص التي يوفرها؟ ثم ألم تظهر بالفعل آثار النعمة والرخاء والازدهار الاقتصادي علي شعوب تلك الدول‏,‏ فارتفعت مستويات معيشتها وانطلقت عجلة الاقتصاد بها؟ فلماذا نتخلف نحن العرب عن المسيرة؟ لماذا نصر علي البقاء منقسمين بينما الآخرون يتوحدون؟

وثالثا‏:‏ أن كل التجارب‏,‏ سواء في الماضي البعيد أو الماضي القريب‏,‏ أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن عناصر التوحيد في الأمة العربية أكثر بكثير من عناصر التفريق‏.‏

إن عندك بشرا يتحدثون اللغة نفسها‏,‏ ولهم التاريخ المشترك نفسه‏,‏ وتوحدهم الجغرافيا‏,‏ بما يؤدي في نهاية المطاف إلي توافر إمكانات هائلة للتكامل والاندماج الاقتصادي‏.‏

إن لدينا ثروات وموارد طبيعية وبشرية ضخمة جدا‏,‏ فلماذا نفرط فيها للآخرين ونحرم شعوبنا منها؟

وقد يقتضي المقام هنا التذكير بما تقوم به مصر حاليا للتقريب بين الأشقاء الفلسطينيين في فتح وحماس لرأب الصدع بينهم وصولا إلي لم الشمل الفلسطيني‏,‏ وتوحيد الصفوف‏.‏

وقد يتسع المقام أيضا للحديث عن ضرورة إعادة التنسيق الذي ظل قائما لفترة طويلة بين الشقيقات مصر والسعودية وسوريا كأساس وقاعدة للتوحد العربي الكبير في المستقبل القريب‏,‏ وربما يكون من المفيد كذلك لفت النظر إلي ضرورة تدخل الأطراف العربية الفاعلة في النظام العربي لإخراج العراق الجريح من مأزقه الذي رماه فيه الاحتلال الأمريكي‏,‏ لا يصح أبدا أن نترك العراقيين وحدهم في هذا المنعطف التاريخي المهم‏.‏ لقد أشار الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسي في تصريحاته للصحفيين عقب استقبال الرئيس مبارك له صباح أمس إلي أن المشاورات العربية تجري الآن علي قدم وساق لاستثمار هذا الزخم العربي الحالي الذي تحقق بعد النجاح العربي في لبنان‏,‏ ولعله من المفيد والضروري هنا تكرار القول الشهير الفرصة لا تأتي إلا مرة واحدة‏!,‏ فهل يستغل العرب هذه الفرصة المتاحة حاليا لتوحيد أنفسهم؟ سنري‏!‏