التميز وما يتبعه من حوافز مادية ومعنوية مشجعة عليه أو دافعة للاستمرار فيه أصبح مفهوما مؤسسيا ذا أهمية كبرى في مؤسسات الدولة لاسيما المحلية منها. وإمارة دبي كانت سباقة في دعم كل ما من شأنه تحقيق التميز على مستوى دوائرها وهيئاتها لأنها تؤمن بأن التميز شريك استراتيجي في قصة النجاح.

ومن منطلق حرصنا على تميز دوائر دبي والعاملين فيها نتوقف اليوم عند فئة من موظفي الإمارة لنتحدث عن حاجتهم إلى المزيد من الاهتمام لاسيما وهم يؤدون عملا ليس باليسير.

الفئة التي نتحدث عنها هي فئة القضاة في محاكم دبي. فعلى الرغم من غلاء المعيشة الذي لم يستثن أحداً من الضغوطات المادية والنفسية، وعلى الرغم من صعوبة المهام المناطة بالقضاة والتي يتحملونها وهم سعداء بها، وعلى الرغم من شروط المهنة التي تحتم عدم ممارسة الواحد منهم لعمل آخر، يجد عدد منهم أن الرواتب التي يتقاضونها ليست كافية ولا تتناسب مع الأعمال التي يؤدونها أثناء الدوام وبعده عندما يحملون القضايا إلى منازلهم لدراستها، فلماذا لا تقدم لهؤلاء القضاة حوافز أكثر؟

ولماذا لا نجعلهم في وضع مشابه لوضع زملائهم في إمارات أخرى مع أن العمل والمسؤولية واحدة؟ القضاة في محاكم دبي وحسب قولهم كانوا قد وعدوا بتعديل كادرهم لكن شيئا من ذلك لم يحدث حتى الآن، والأكثر أن هناك موظفين في المحاكم أيضاً انتقلوا للعمل في محاكم دبي لكنهم فوجئوا بان الحوافز التي كانوا يحظون بها في أعمالهم السابقة أكثر بكثير مما يحظون به الآن.

لاسيما وقد زاد الطين بلة غياب الدورات التدريبية وعدم إتاحة الفرصة بالشكل الكافي لجميع الموظفين العاملين في المحاكم ليصقلوا خبراتهم ويزيدوا عليها، فلماذا تتحول هذه البيئة، وهي بيئة المحاكم إلى بيئة تضم أفرادا محبطين قد يسربون إحباطهم إلى غيرهم فيصبح التميز حلما بعيدا على المحاكم؟

قد يقول قائل إن الإحباط وغياب الحوافز أمور موجودة في مؤسسات كثيرة، لكن الرد على هذا القائل سيكون سهلا إذا ما استطعنا إقناعه بأن المحاكم معنية بقضايا وملفات تستلزم مواصفات خاصة فيمن ينضم للعمل فيها، أهمها الاستقرار النفسي والاقتصادي لكي لا ينشغل بهمه عن هموم الناس، ولا يضطر لترك وظيفته بحثا عن فرصة عمل أفضل في مؤسسة أخرى تدفع له وتقدم له حوافز تفوق ما يحصل عليه في الوقت الراهن، وهو الأمر الذي قد يؤذن بخسارة كبيرة للمحاكم خاصة إذا ما كانت خسارتها من القضاة والموظفين المواطنين.

لا ننكر الجهود الكبيرة والمتميزة التي تبذلها محاكم دبي، وربما يكون لدى المسؤولين فيها خطط لتعديل أوضاع القضاة وغيرهم من الموظفين ماديا ومعنويا لاسيما بعد الإعلان عن المشروع الضخم الذي أعلن عنه منذ أسابيع تحت عنوان مدينة دبي القضائية والذي يحتاج للمزيد من القضاة والموظفين، لكن هذا النوع من الخطط لا يحتمل التأجيل في وقت أصبح الموظف فيه حريصا على تحقيق استقراره ليعطي بأفضل صورة. هذا ما نأمله وما نتمناه.

maysaghadeer@yahoo.com