كثيرا ما نقابل في حياتنا اليومية أشخاصاً أغبياء، وتزداد المأساة حينما يجمع الشخص بين غباء المنظر والجوهر. وتقييمنا للآخرين بأنهم يتسمون بالغباء، لا يعني أيضا أننا أذكياء، فتقييمات أخرى لنا قد تضعنا في خانة الأغبياء. فالمسألة في النهاية بالغة النسبية، وهو ما يمنح الأغبياء مشروعية الوجود والاستمرار.

والغباء ليس صفة وراثية فقط، إذا كان ذلك صحيحا، لكنه أيضا يرتبط بعوامل بيئية واجتماعية كثيرة تساعد على تراكمه وتطوره وظهور أنماط وأشكال عديدة منه. فميزة الغباء كما الذكاء أنه لا ينطوي على شكل واحد أو على نمط محدد؛ فمثلما الذكاء متعدد ومتنوع فإن الغباء أيضا متعدد ومتنوع.

ويتنوع الغباء تنوع البشر من ناحية، وتنوع السياقات الاجتماعية المنتجة له من ناحية أخرى. كما أن الغباء يختلف من فترة لأخرى ومن سياق زمني لآخر؛ فلكل فترة تاريخية معينة أشكال الغباء التي تتسم وترتبط بها. وكما يمكن الحديث عن الغباء بصيغة المفرد يمكن الحديث عنه أيضا بصيغة الجمع؛ فهناك غباء جماعي كما أن هناك غباء قوميا أيضا، وربما غباء كوني في المحصلة النهائية.

وكلما كانت البنية الاجتماعية جيدة ومتطورة فإنها تسمح بظهور مستويات عالية وأشكال متعددة من الذكاء والعكس أيضا صحيح إلى حد بعيد. صحيح أن هناك بعض الاستثناءات من هؤلاء الذي يحملون ذكاء وسط محيط من الغباء المهيمن، أو هؤلاء الذين يحملون غباء وسط أجواء بالغة الذكاء والإبداع، لكن الأمر رهن في النهاية بالبيئة المحيطة بالأشخاص.

وعلى ذكر الإبداع، فإنه يجب الإشارة هنا إلى أن الإبداع مرتبط أيضا بالجانبين، أي أن هناك إبداعا مرتبط بالذكاء كما أن هناك إبداعا مرتبط بالغباء؛ فكلاهما ينطوي في التحليل النهائي على ممارسة إبداعية من نوع ما، وفي اتجاهات ربما تكون مختلفة.

فالكثير من البنيات العربية الراكدة من عشرات السنين تنطوي على قدر كبير من الإبداع يكفل للبشر التواصل مع هذه البنيات، كما يكفل للمسؤولين استمرارية هذه البنيات. ولا يمكن تصور أن تتواصل تلك البنيات إلا من خلال قدر عال من الإبداع بين البشر والقائمين علي شؤونهم، لكنه ذلك الإبداع الراكد المتكلس، الأقرب لبنية الغباء والآليات المرتبطة بها.

وبالتأكيد لا يوجد شخص ذكي وعبقري بشكل مطلق، كما لا يوجد شخص غبي وأحمق بشكل كامل. فالغباء ذاته ينطوي على قدر من الذكاء إذا اعتبرناه خروجا على المتعارف عليه، وبالمنطق نفسه فإن الذكاء ينطوي على قدر من الغباء إذا ما اعتبرناه خروجا على الإجماع. وبين هذا وذاك نعيش الحياة في روتينها وجمودها اليومي.

وعموما فإن الغباء مسألة نسبية، فما يقدره البعض أنه غباء يقدره البعض الآخر أنه حصافة وذكاء. ولا يرتبط التحصيل الدراسي بالنسبة للطلاب بالذكاء أو الغباء، فقد كنت أرى وما زلت أن أكثر الطلاب مدعاة للوصف بالغباء هم المتفوقون دراسيا، ليس لأنهم أغبياء بالطبيعة وبالجوهر بل لأنهم أغبياء في التعامل الحياتي مع محيطهم الاجتماعي وربما الأسري.

وهناك فرق كبير بين أن نمارس الغباء والذكاء بعفوية وتلقائية، وبين أن نمارسهما بوعي وإدراك وربما تخطيط. فحينما يطلق البعض ملاحظاته العفوية التي قد تثير لدي البعض المزيد من الملاحظات وإثارة التساؤلات فهو يطلق حالة ذكاء عفوية قد لا يعيها هو ذاته.

والعكس صحيح أيضا، حينما يندفع البعض بإطلاق الكثير من الملاحظات أو ممارسة العديد من التصرفات بغباء منقطع النظير فإنه يثير لدى الآخرين العديد من ردود الفعل مثل الامتعاض أو الانسحاب أو مقارعة الغباء بغباء مماثل. وعلينا أن نتخيل الوضع حينما يلتقي شخصان لديهما مثل هذه القدرة على الغباء التلقائي الفاعل والمتواصل، كما الحال نفسه لدي التقاء لديهما ذلك القدر من الذكاء التلقائي والعفوي.

من اللافت للنظر هنا أن البنيات المتخلفة تدفع أفرادها للمزيد من الغباء الواعي الذي يساعدهم على التواصل المجتمعي والدفاع عن أوضاعهم المستلبة. فالغباء يمكن أن يساعدنا على التعامل الالتفافي مع ما يواجهنا من مشكلات وأوضاع مهترئة، وهنا تكمن قمة المأساة والعبثية في الوقت نفسه. اللهم قنا شر الغباء الواعي، وامنحنا القدرة على الحياة بذلك القدر من الذكاء والغباء التلقائيين.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com