كثر الحديث عن العناية بالأطفال وإيلائهم الرعاية التي يستحقونها؛ لأنهم المستقبل الذي يعد بالتغيرات الحقيقية في عالم متغير. وهم قادة المستقبل حقيقة لا مجازا. ومن الطبيعي أن تبدأ خطوات التغيير الجوهرية بالأطفال.

ولعل أول ما يخطر بالبال في هذا الصدد سؤال مَنْ هو الطفل؟ ومن هم الأطفال؟ ومن الطبيعي أيضا أن تتنوع الإجابات وتتباين، ولكن الذي لا يجوز أن يكون موضع الجدال والنقاش اعتبار الطفل كيانا مشوَّها ناقصا، يعرَّف بالقياس إلى خبرة البالغين ومعارفهم وطرائق سلوكهم ومفاهيمهم.

إن أول ما يجب الاتفاق عليه أنّ الطفل كيان له بنيته الخاصة، وله وعيه ورؤيته التي يعاين بها الحياة والمجتمع والواقع والوجود. وهذا الاتفاق المبدئي يأخذنا إلى جوّ رحب من محاولة فهم عالم الأطفال، وبناء ردود أفعال البالغين واستجاباتهم تجاه متطلبات الطفولة، وحساب التصرفات والمعلومات التي ينطلقون منها تجاه عالم الأطفال.

ويخطئ من يظن أنّ الطفل يتدرج في مناحي الإدراك بحيث يبدو غافلا عن قضايا ومدارك جوهرية في سن الطفولة لا تتحقق إلا في سن البلوغ، ويخطئ من يظن أنّ وعيه أو عاطفته يعتريها النقص في حين يبدوان بخلاف ذلك عند الكبار. مع أنّ هذا قد يكون صحيحا إذا عكسنا الآية، فكثير من الكبار يعتري وعيهم وعواطفهم النقص والخلل لأسباب كثيرة ليس هذا موضع ذكرها.

إنّ عملية الإدراك التي يمرّ بها الأطفال ليست - كما يظن البعض- متدرجة تتطور شيئا فشيئا مع تقدم الصغار في العمر، فهي عملية معقدة تتأثر كثيرا بالبيئة والزمن والناس المحيطين بالطفل والفرص التي تتاح له لتمكنه من سبر واقعه وتأمل ما يحيط به من أشياء وأشخاص، ولا شك أنّ التجارب اليومية تعد زاداً أساسياً يستجيب إدراك الطفل له استجابات مختلفة، تتعقد وتتعمق كلما اتسعت دائرته وتنوعت أشكاله.

إنّ احترام عقل الطفل وتقدير مشاعره من أولويات التربية الاجتماعية والسياسية الصحيحة؛ لأن هذا الاحترام له نتائجه المباشرة على تصرفات الطفل وعواطفه ووعيه وقيمه واتجاهاته في المستقبل. فكيف يمكن لنا أن نتوقع من التربية الاجتماعية والسياسية التي تغضّ من قيمة الطفل ولا تقدر مشاعره وعواطفه وخياراته أن تنتج لنا مواطنا يؤمن بالقيم الوطنية، ومنها قيمة الإيثار الذي ينبذ التعصب والأنانية، وكيف له أن يقف مع قيم التسامح واحترام الآخرين والدفاع عن وجهات نظرهم أو في الأقل حقهم في الدفاع عن آرائهم ومبادئهم وتصوراتهم في الحياة؟

وكيف لنا أن نتصور طفلا نصادر رأيه ونحتقر مشاعره ونرى في كل ما يقول وما يختار وما يفعل كلاما أو اختيارا أو فعلا أو قاصرا، ثم نطلب منه بعد ذلك أن يختار القيم الديمقراطية، ويؤمن بقيم العدل والمساواة والتسامح واحترام حقوق الآخرين والدفاع عن حقهم في إبداء وجهات نظرهم دون خوف أو مصادرة؟

لقد صادرنا على حقه هو منذ البدء، وأعطينا لأنفسنا الأولوية في توجيه تفكيره والحكم على خياراته وإسكات آرائه إن كانت لا تتلاءم مع رؤيتنا ومع ما نريده أن يؤمن به، شاء أم أبى، اقتنع أم لم يقتنع. فعليه دائما أن يقتنع بحقيقة واحدة، وهي أننا نحن الكبار نفهم أحسن من فهمه، ونعرف أكثر مما يعرف، ولنا الحق، لذلك، بأن تكون خياراتنا هي المعتمدة وهي التي يؤخذ بها، بغض النظر عن الأسئلة الكثيرة التي نخرسها في أعماقه.

ونحن نظن أنّ صمته دليل على قبوله ورضاه. إننا في حاجة إلى أن نعيد النظر في نظرتنا إلى الأطفال، ولا يتم ذلك من خلال مواقف فردية وحسب، بل لابدّ من قيام مؤسسات بحثية تربوية ونفسية واجتماعية تعنى بالطفولة مفهوما وتشريعا ومجتمعا وسلوكا، ولا يقتصر دور المؤسسات المعنية بالطفولة على تنظيم المهرجانات والمؤتمرات والاحتفالات وورش العمل التقليدية التي - على أهميتها- لا تقدم الكثير من أجل فهم نفسية الطفل، والاتكاء على الأدلة الموثوق بعلميتها للتعرف عن خصائص الطفولة والتعامل معها تعاملا واعيا مدركا خبيرا.

فالذي يتأمل واقعنا من منظور التربية وعلم النفس والتشريع والأسرة والمجتمع والثقافة يجد أن حق الطفل مهدر من البيت إلى المدرسة إلى المؤسسة إلى التشريع إلى المجتمع، وينعكس هذا الإجحاف بحق الطفل على المؤسسات الثقافية، وهي المؤسسة التي تعكس هذه المجالات كافة في الأوعية الثقافية من كتب علمية وتربوية ونفسية وأدبية وأفلام وأشرطة وأقراص مدمجة وسواها.

ولنا أن نسأل ببساطة: ما نسبة النتاج الثقافي الحقيقي الموجه إلى الأطفال بالقياس إلى ما يقدم للكبار؟ على الرغم من العجز الفاضح في النتاج الثقافي المقدم للكبار أصلاً. إنّ ما تدفعه المطابع من نتاج ثقافي جاد للأطفال لا يشكل إلا نسبة محدودة مما تدفعه المطابع من نتاج غثّ، يبدو الهدف من ورائه في الأغلب لا يعدو غاية تجارية تستهدف الربح، في حين يمر كتاب الطفل في العالم المتحضر برحلة طويلة شاقّة قبل أن يكون جديرا بأن يوضع بين يدي طفل تنعقد آمال المستقبل عليه.

إننا في حاجة إلى إعادة النظر في مفهوم ثقافة الطفل التي تأخذ في الاعتبار كل العناصر التي تحقق النجاح للنتاج الثقافي.. إننا في حاجة إلى المؤلف والرسام والمخرج والخطاط والناشر والتربوي واللغوي والأديب والسينمائي وعالم النفس يلتقون في معاهد وجامعات وورش عمل ومنتديات تبحث في الأسس الأولى التي تضمن إنتاجا ثقافيا جادا، يطرح الأسئلة الجوهرية، ويبدأ جديا بتقديم الإجابات.

من حق الصغار علينا أن نبذل لهم الكثير من الجهد والحب والرعاية، من حقهم أن تهيأ لهم فرص الاكتشاف والحوار الحر، ومن حقهم أن ينظر إليهم نظرة احترام حقيقية؟ لا تقلل من شأنهم، ولا تستهين بهم، ولا تنظر إليهم على أنهم فئة تقل عن الكبار درجة أو درجات.

ولا يعني كلامي هذا أن نحمّل الصغار فوق طاقتهم، ولا أن نتوقع منهم ما نتوقعه من الكبار، فللصغار عالمهم الجميل الذي يجب أن يحيوه ويستمتعوا ببراءته وبهجته، ولكنّ القصد أنّ هؤلاء الصغار قد يصلون في إدراكهم وفهمهم للأشياء من حولهم إلى مستويات عالية جدا، ومع ذلك فإن الكبار غالبا ما ينظرون إليهم نظرة من يعجز عن الفهم، أو يقصر عن الإدراك. وكم لهذه النظرة من آثار لا تطال الصغار وحدهم، بل تمسّ الكبار وكل المجتمع، ولا يمكن ألا يتأثر بها المستقبل الذي نعقد عليه الآمال.

جامعة الإمارات

tfibrahim@yahoo.com