تخريب إسرائيل الجديد على احتمالات التهدئة، لا يخرج عن عادتها المألوفة. في كل مرة يطل فيها بصيص أمل بإمكانية حلحلة ما، تتسلل فيها عصا الإجراءات الإسرائيلية إلى دواليب هذا التحرك، لفركشته. أو لنسفه من أساسه. ولا فرق، سواء كان التحرك باتجاه فسحة مؤقتة لالتقاط الأنفاس؛ أو لترجمة اتفاقيات وتعهدات.

آخر منتجات هذه البضاعة كان في تسليط سيف التشريد الجماعي فوق رقاب الفلسطينيين. مدير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، في الأمم المتحدة، قرع جرس الإنذار، في تقرير له، قبل يومين؛ حين حذّر من خطر اقتلاع آلاف الفلسطينيين، من بيوتهم؛ في الضفة الغربية.

«حتى الآن صدرت أوامر بهدم أكثر من 3000 بناء ويمكن تنفيذ هذه الأوامر فوراً من دون إنذار مسبق»، حسب ما جاء في تقريره الأخير. وفي هذا السياق، كشف أن «أحياء بكاملها، في أنحاء الضفة، عرضة لخطر التشرد الكامل، نتيجة لأوامر الهدم التي تنتظر تنفيذها». صاحب التحذير، مسؤول دولي. الدوائر الإسرائيلية، لم ترد بالنفي. يعني ذلك أن الأوامر، على قاب قوسين.

التوقيت ليس من غير مدلول. الكشف عن هذه الهجمة الاقتلاعية، في الوقت الذي تجري فيه عملية طبخ «تهدئة»، في غزة؛ هدفه ضرب عصفورين بحجر: حرق الطبخة وإقامة أمر واقع على الأرض؛ يستحوذ على الاهتمام ويصير هو الموضوع والمشكلة. تفريخ العقبات وتناسلها عن بعضها البعض، سياسة إسرائيلية عتيقة. هروب منهجي من أي صيغة أو ترتيب، أو حتى مخرج مؤقت؛ من شأنه أن يؤدي إلى الخروج على معادلة اللاسلم واللاحرب؛ التي تفضلها إسرائيل وتسعى إلى تأبيدها.

حكومة هنية، في غزة، أبدت، وباعتراف العديد من المراقبين، ما يكفي من المرونة لتسهيل التوصل إلى التهدئة؛ بوساطة مصرية. لقد تراجعت عن شرط التزامن بين التنفيذ؛ وبين فتح المعابر ورفع الحصار. إسرائيل تصرّ على هدوء مقابل هدوء، فقط لا غير. لا فتح معابر ولا فك حصار. والآن بدفع مخطط الاقتلاع إلى تحت الضوء، واضح أنها لا تريد التهدئة. ما تريده، الآن وغداً، هو فقط الأرض والتوسع.

أمس الأول التقى وفد من قادة «حماس» في الضفة، بالرئيس محمود عباس. الموضوع: المطالبة بالعودة إلى الحوار. ليست المرة الأولى لمثل هذا اللقاء. لكن مع ذلك، كان الاجتماع، بحدّ ذاته، خطوة إيجابية؛ بحكم ظروفه. المطلوب تطويره إلى صيغة تحاكي الدوحة اللبنانية. الصلف الإسرائيلي لا يمكن التصدي له، بدون وحدة وطنية فلسطينية، على قاعدة تعويم عربي.