في كتابه الموسوم «في قلب العاصفة»، يتحدث المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية «سي آي أيه» جورج تينيت عن السنوات التي قضاها في الوكالة.

لكن كتاب تينيت أكثر من مجرد مذكرات، وفور قراءتنا له سيداخلنا إحساس بأنه كاتبه قد يكون عربيا، وعدا جرعة المرارة الكبيرة التي تتضمنها فصول الكتاب عندما يعرض تينيت لخبايا وتفاصيل رافقت عمله في محطات أساسية أهمها الحرب على العراق، فإن الكتاب يعيد التأكيد على أن قرار الحرب على العراق لم يأت أصلا في سياق طبيعي.

وهذا السياق غير الطبيعي هو ما حاول كثيرون من منتقدي إدارة جورج دبليو بوش التنبيه إليه مبكرا ومرارا على مر السنوات الماضية. بعبارة أخرى، كان قرار الحرب على العراق قرارا لمجموعة صغيرة من داخل الإدارة وخارجها وكان المنفذون حفنة من المساعدين الذين برزت أسماؤهم باعتبارهم صناع القرار الحقيقيين.

وهم بالتأكيد جماعة من المحافظين الجدد الذين كانوا يحيطون بوزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد ونائب الرئيس ديك تشيني ، ومن بين هؤلاء لا يستطيع جورج تينيت إخفاء مرارته في مذكراته حيال اثنين على وجه التحديد: دوغلاس فيث المساعد الأسبق لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد وسكوتر ليبي مساعد تشيني الذي استقال من منصبه اثر فضيحة تسريب هوية عملية الـ «سي اي ايه» فاليري بلام ولسون.

يصف تينيت ما يعتبره نجاحا للوكالة في مكافحة «الإرهاب»، لكنه يبدأ هذا الفصل بتفاصيل عديدة مفادها أن الوكالة كانت تطلق اعتبارا من العام 1998 أي بعد الهجوم على السفارتين الاميركيتين في كينيا وتنزانيا، التحذيرات من هجوم محتمل لتنظيم القاعدة ضد أهداف أميركية لكن دون جدوى.

وفي هذا الجزء من الكتاب، يسهب في شرح تفاصيل لا حصر لها للاتهامات التي نالت أجهزة الأمن والاستخبارات الأميركية عقب هجوم 11 سبتمبر أبرزها التراشق الذي جرى بين مكتب التحقيقات الفيدالي (اف بي آي) والوكالة والقضية النموذجية هنا هي قضية زكريا موسوي أحد المتهمين الرئيسيين في هجوم 11 سبتمبر والذي يقضي الآن حكما بالسجن مدى الحياة في الولايات المتحدة.

ويلخص تينيت هذا بقوله «أثناء جلسات استماع لجنة 11/9 ذهلت لدى سماعي اقتراح توم بيكارد وكان مدير «الاف بي آي» بالوكالة في أغسطس 2001 بأنني لم أبلغه نوعا ما عن الموسوي.. لم أبلغه؟ لقد كانت قضية الاف بي آي وهم الذين أوقفوه ولم يكن لدي أي فكرة عن أن المكتب لم يكن على اطلاع على ما يقوم به أفراد». (راجع: في قلب العاصفة، جورج تينيت، ص219،دار الكتاب العربي، بيروت).

ويمضي ليصف الحملة العسكرية على أفغانستان والنجاح الباهر الذي حققته. لكن النجاح هنا هو للوكالة إذ يقول إنها أول حرب تديرها وكالة الاستخبارات وتنجح في كسبها. لكن الجزء المثير والهام في كتاب تينيت، هو ذاك الذي يبدأ من الفصل السادس عشر والمعنون «سبب الحرب». يفتتح تينيت الفصل بالقول: «من أعظم الألغاز بالنسبة إلي متى أصبحت بالضبط الحرب في العراق أمرا حتميا».(ص 313).

ويشرح بتفاصيل وافية ذلك التحول الكبير نحو خيار الحرب على العراق وهي التفاصيل التي تبدأ من محاولة المحافظين الجدد اختلاق الأسباب للترويج للحرب وإقناع الاميركيين والعالم بها. من وجهة نظر تينيت فقد كانت حربا أخرى خاضتها الـ «سي اي ايه» مع مسؤولين في الادارة حاولوا بشتى الطرق تلفيق هذه الأدلة وأهمها صلة العراق بتنظيم القاعدة. يقول تينت «جائتني جيمي ميسيك كبيرة محللينا إلى مكتبي ذات يوم في أواسط سنة 2002 شاكية من أن العديد من صناع السياسة لا سيما سكوتر ليبي وبول ولوفويتز لا يبدون راضين البتة عن إجاباتنا بشأن المزاعم عن تواطؤ عراقي مع القاعدة».

كان هذا الحديث بين تينيت وكبيرة المحللين منتصف 2002، لكن المحافظين الجدد كانوا يخططون للأمر منذ وقت مبكر حسب تينيت، الذي يشير إلى أن «اهتمام بعض المسؤولين الكبار لدى بوش بالعراق سابق على قدوم الإدارة» مضيفا «وكان بول ولفويتز ودوغلاس فيث وريتشارد بيرل من بين الثمانية عشرة شخصا الذين وقعوا رسالة علنية من مجموعة تدعى «مشروع القرن الأميركي الجديد».

يستعيد تينيت محاولات مبكرة لإلحاح هذه المجموعة الصغيرة من مسؤولي الإدارة على زج العراق في قلب الخطط الأميركية للحرب والانتقام من 11 سبتمبر، عندما يقول «كان لقائي الغريب بريتشارد بيرل صبيحة 12 سبتمبر الاشارة الأولى لما سيلي، لم تكن تلك حادثة منعزلة».

يضيف تينيت أن مسؤولا عسكريا أميركيا كبيرا كان عالقا في أوروبا عند وقوع هجمات 11/9 وتمكن في النهاية من ركوب طائرة صهريج عسكرية وقابل مصادفة مسؤولا كبيرا آخر هو دوغلاس فيث. يضيف هنا: «في أثناء الرحلة أبلغ الضابط العسكري فيث أن القاعدة هي المسؤولة عن هجمات اليوم السابق وأنه يجب القيام بحملة واسعة ضدها بدءا من افغانستان.. ومما أدهشه أن فيث تحدث أن الحملة يجب أن تقود إلى بغداد على الفور».

الأغرب في هذا كله، ان تينيت وموظفيه من المحللين وغيرهم، ظلوا يكررون التحذيرات للادارة من تبعات غزو العراق، خصوصا «تفكك العراق»، «عدم الاستقرار الذي سيهدد دولا عربية أخرى»، «تزايد الارهاب ضد المصالح الأميركية وتذكية الكراهية الإسلامية العميقة للولايات المتحدة» حسب كلمات تينيت.

الخلاصة لمن يقرأ كتاب تينيت، هي أن عصابة صغيرة من المسؤولين الأميركيين اختطفوا مسار الأحداث كله ووجهوه تجاه الحرب على العراق إلى الحد الذي يؤكد معه رئيس الاستخبارات الأميركية في كل كتابه أنه لا يعلم عن القرار شيئا. ماذا يمكن أن نستنتج من تفاصيل وخلاصات كهذه يطرحها رئيس أهم جهاز استخبارات أميركي؟.

كاتب صحافي بحريني

m.alobaidley@gmail.com