على الرغم من أن فرص الديمقراطيين والجمهوريين تكاد تكون متساوية للفوز بالبيت الأبيض على الأقل حتى الآن، إلا أن هناك مؤشرات عديدة تدل على أن الحزب الجمهوري ـ ما لم تحدث مفاجآت كبرى تضر بالديمقراطيين ـ مقبل على هزيمة مدوية في انتخابات الكونجرس.

والحزب الجمهوري هو حزب الأقلية حاليا في مجلسي الشيوخ والنواب. ومع ذلك استطاع أن يلعب دورا معوقا لحزب الأغلبية طوال العامين الماضيين. فلأن الهامش الذي أتى بالديمقراطيين لمقاعد الأغلبية في انتخابات عام 2006 ضئيل للغاية، فقد استطاع الجمهوريون حرمان الديمقراطيين من تمرير الكثير من بنود أجندتهم خصوصا في مجلس الشيوخ الذي يقوم العمل فيه في كثير من الحالات وفق أغلبية الثلثين لا الأغلبية البسيطة.

ومن هنا، فإن القول إن الجمهوريين مقبلون على هزيمة معناه فقدانهم عدداً إضافياً من المقاعد في كلا المجلسين، الأمر الذي يمنح الديمقراطيين أغلبية مريحة يستطيعون من خلالها السيطرة على صنع القرار التشريعي. وأزمة الجمهوريين هذا العام أزمة لم يشهدها الحزب منذ عقود. ففي عام 1994، صعد الجمهوريون لمقاعد الأغلبية في المجلسين لأول مرة منذ 40 عاما. وقد استمروا يشغلون مقاعد الأغلبية في المجلسين حتى خسروها في انتخابات 2006.

وقد واجه الجمهوريون طوال الفترة التي تمتعوا فيها بالأغلبية أزمات عدة خصوصا في نهاية عهد كلينتون إلا أنهم ظلوا قادرين في النهاية على الاحتفاظ بتلك الأغلبية. ثم تحسنت فرصهم تحسنا مذهلا بعد أحداث سبتمبر التي وقعت في لحظة كان فيها الحزب يسيطر على الرئاسة والكونجرس معا.

فعقب أحداث سبتمبر - مثلما هو الحال عقب الأزمات الكبرى عموما- ارتفعت شعبية الرئيس إلى معدلات قياسية. وفي البداية كان الأمر عاديا. فالرئيس في تلك اللحظات رمز للبلاد الأمر الذي ينعكس في صورة التفاف شعبي جارف حوله. لكن إدارة بوش سعت إلى استمرار تلك الحالة لأطول فترة ممكنة عبر صنعها من خلال السيطرة على المعلومات واستخدام تكتيكات التخوين وإثارة ذعر المواطنين باستمرار إزاء الخطر الخارجي. وكان الهدف بالطبع هو استغلال تلك الشعبية الجارفة لتمرير أجندة داخلية وخارجية لا علاقة لها في الواقع بأحداث سبتمبر.

غير أن استراتيجية بوش التشريعية وتجاوب الجمهوريين في الكونجرس معها هي المسؤولة عن الأزمة الكبرى التي يواجهها الحزب الجمهوري اليوم. فبوش استغل الشعبية المذهلة التي حصل عليها بعد أحداث سبتمبر ليحكم وفق ماصار يعرف «باستراتيجية الـ 50 % + 1».

وكانت تلك الاستراتيجية هي التجسيد المحلي لمنهج «من ليس معنا فهو ضدنا». ومعناها السعي لتمرير أجندة الرئيس في المجلسين ليس عبر ائتلاف تشريعي واسع من الجمهوريين والديمقراطيين، بما يعني بالضرورة التوصل لحلول توفيقية وتقديم تنازلات متبادلة وانما عبر الأغلبية البسيطة الأمر الذي يعني تجاهل الديمقراطيين بالكامل - الذين كانوا في مقاعد الأقلية- بل والجمهوريين الذين يختلفون مع الرئيس. ولأن الرادع الوحيد لعضو الكونجرس الذي يمنعه من تحدي الرئيس هو ارتفاع شعبيته، فقد التزم الأعضاء الصمت طوال الفترة التي تمتع فيها بوش بشعبية بل وانحنوا لإرادته، وتخلى الكونجرس بالتالي عن الكثير من مهامه الرقابية.

وقد بدأت العواقب الوخيمة لكل ذلك تظهر بوادرها الواحدة تلو الأخرى. ولأن الجمهوريين كانوا يسيطرون على الرئاسة والكونجرس معا، فقد عاقبهم الناخبون في 2006 على كارثة العراق، فضلا عن تدهور الأوضاع في الداخل والذي كان الأداء الحكومي البائس إزاء كارثة إعصار كاترينا أحد تجلياته.

وقد تزامن ذلك مع انفجار أكثر من فضيحة من العيار الثقيل لعل أهمها ما تعلق بالتنصت على الأمريكيين دون إذن قضائي، وتورط مكتب ديك تشيني في الانتقام من السفير ويلسون الذي فضح تلفيق المعلومات الاستخباراتية قبل حرب العراق عبر كشف هوية زوجته عميلة المخابرات المركزية. وفي كل ذلك، كان الكونجرس «الجمهوري» طرفا في المسؤولية كونه لم يمارس رقابة حقيقية كان غيابها هو الذي سمح بتلك الكوارث والفضائح.

لكن فقدان الجمهوريين مقاعد الأغلبية في انتخابات 2006 ظل محدود العواقب لأن الديمقراطيين حصلوا على هامش أغلبية بسيط كما سبق القول، فضلا عن أن الحزب ظل موجودا في البيت الأبيض. أما اليوم فقد صار للأزمة أبعادا أكثر عمقا. فهي إلى جانب كل ما تقدم ترجع إلى رفض واسع لمضمون السياسات التي انتهجها بوش ومررها حلفاؤه في الكونجرس.

فهو مضمون جر الحزب الجمهوري في الواقع بعيدا نحو أقصى اليمين. صحيح أن الحزب الجمهوري هو حزب اليمين إلا أنه يضم قوى وتيارات عدة لم تكن إدارة بوش معبرة إلا عن أكثرها يمينية، سواء كان ذلك في السياسة الخارجية التي جسدت فكر المحافظين الجدد واليمين الديني فقط وتجاهلت باقي القوى والتيارات الجمهورية، أو السياسة الداخلية التي انحازت للشريحة الأكثر ثراء في المجتمع بل وتجاهلت الجمهوريين الذين يهمهم حال الحريات المدنية.

وقد أدى كل ذلك إلى تذمر واسع حتى في ولايات الجنوب الأمريكي التي هي معقل الحزب الأساسي. وهو الذي عبر عن نفسه مؤخرا في سلسلة من الهزائم في عدد من الدوائر التي كانت مغلقة فعلا على الحزب لسنوات طويلة. بعبارة أخرى فإن أخطر ما يواجهه الحزب الجمهوري حاليا هو تذمر ناخبي الحزب نفسه الذين صاروا يرفضون الصورة المتطرفة التي صار عليها الحزب في عهد بوش. ولا يقل خطورة عن ذلك أن الناخبين الجدد الذين تقل أعمارهم عن الثلاثين صاروا يفضلون الحزب الديمقراطي بفارق ضخم لأول مرة.

ورغم أن الحزب الجمهوري قد فشل حتى الآن في استخدام تكتيكات التخويف والتخوين التي استخدمها ضد الخصوم طوال الأعوام السابقة فلا يجوز الاستهانة بمحترفي الحملات الانتخابية وما في جعبتهم من حيل. بعبارة أخرى، ما لم تحدث مفاجآت أو أحداث كبرى فإن الحزب الجمهوري سوف يتلقى على الأرجح رسالة غضب واضحة من الناخبين في نوفمبر تهمش دوره في الكونجرس.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com