عام 1983 كان الأخطر في عمر نظام رئيس السودان السابق جعفر نميري. فقد كان العام الذي قررت فيه الولايات المتحدة في عهد الرئيس رونالد ريجان الاستغناء عنه وعن نظامه بعد أن توصلت إلى قناعة نهائية بأنه استنفد صلاحيته كخادم للمصالح الأميركية.
قبل يومين أي في 25 مايو مرت الذكرى التاسعة والثلاثون للانقلاب الذي دفع بـ «العقيد» جعفر نميري إلى السلطة. وبعد أن بطش بالحزب الشيوعي السوداني «الذي كان يعد الأقوى بين الأحزاب الماركسية في الشرق الأوسط وإفريقيا» أثبت خلال وقت قياسي أنه أهم «صديق» للولايات المتحدة في القارة الإفريقية جنوب الصحراء كما كان يطلق عليه الرئيس ريجان لاحقاً، لكن الولايات المتحدة لم تتردد كثيراً في التخطيط لكيفية الإطاحة به بعد أن رأت أن نظامه قد دخل مرحلة وهن سياسي.
منذ استيلائه على السلطة ظل الرئيس نميري يعتمد في سبيل بقائه على لعبة التحالفات المؤقتة مستغلاً التناقضات بين الأحزاب. تحالف مع الحزب الشيوعي وقوته النقابية الجماهيرية لضرب حزب الأمة وتصفية طائفة «الأنصار» عن طريق تدمير القواعد المادية للطائفة وأسرة آل المهدي التي كانت ترعى الطائفة، واستثمر لأقصى حد انشقاق الحزب الشيوعي على نفسه للتحالف مع جناح لاستئصال الجناح الآخر، وباسم المصالحة الوطنية.
تحالف مع حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي لعزل الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة الشريف حسين الهندي، لكن بحلول عام 1983 كان نميري قد أحرق كل ما كان لديه من أوراق لعبة السلطة فلم يتبق عنده سوى ورقة أخيرة: التحالف مع «الجبهة الإسلامية القومية» بزعامة د. حسن الترابي.
واشتدت عزلة النظام بعد أن توحدت أحزاب المعارضة بما في ذلك النقابات المهنية داخل تنظيم مظلى بقيادة الصادق المهدي أطلق عليه «الجبهة الوطنية»، وهنا تدخلت الولايات المتحدة للسيطرة على مسار الأحداث قبل أن يتخذ المسار وجهة غير ملائمة للمصالح الأميركية.
ما جرى بعد ذلك معلوم: فقد بعث الرئيس ريجان بنائبه جورج بوش الأب إلى الخرطوم في عام 1985 لإنشاء علاقة تنسيقية مع المعارضة لمساعدتها على الإطاحة بالنظام بشروط أميركية تهدف إلى قطع الطريق على «المتطرفين».. إسلاميين كانوا أم شيوعيين، وكان على رأس هذه الشروط أن تتدخل القيادة العليا للجيش في اللحظة الحرجة لتضبط مسار وتشكيل نظام الحكم البديل. هكذا جرى تنفيذ السيناريو الأميركي ليصبح بعد ذلك نموذجاً كلاسيكياً لتعامل قوى عظمى إزاء حليف لها في العالم الثالث عندما يفقد صلاحيته.