ما قاله الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، أمس الأول؛ بخصوص إسرائيل، له أهمية خاصة؛ رغم أنه ليس بسرّ. فهو يصدر عن شخصية أميركية، شغلت البيت الأبيض، لمدة أربع سنوات. كلامه بأن هذه الأخيرة ترتكب جريمة إنسانية في حصارها لغزّة؛ وأن ممارساتها في هذا المجال تتسم بالعنصرية؛ فيه من الجرأة، الأدبية والسياسية، بقدر ما فيه من الاتهام والإدانة؛ لسياسات إسرائيل وسلوكياتها.
أيضاً كشفه بأن هذه الأخيرة تملك 150 قنبلة نووية، كان له وقع غير اعتيادي؛ لكونه يصدر، لأول مرة، عن رئيس أميركي، عارف بخبايا وحقائق هذا السلاح الإسرائيلي. فضح صريح وغير معهود، لا شكّ أنه أزعج إسرائيل. خاصة وأن صاحبه موثوق. كما أنها، ربما، لم تكن تتوقع ذهاب رئيس أميركي سابق، إلى هذا الحدّ. وقد يكون أغاظها أكثر، عندما طالب كارتر، الأوروبيين باتخاذ مواقف متميزة عن واشنطن، في علاقاتهم مع كافة الأطراف الفلسطينية؛ وبالذات «حماس» والتحاور معها.
لكن هذه الصراحة الاتهامية، محرجة أيضاً، بل ينبغي أن تكون محرجة، للرئيس بوش. فما جاء على لسان كارتر أتى بعد أيام من خطاب استراتيجي توراتي، ألقاه الأول قبل أيام في الكنيست، من ضمن مشاركته في احتفالات إسرائيل بعيدها الستين. فيه وضع إسرائيل في مقام المثل الأعلى. أعطاها صورة الدرّة النادرة، التي تبرع بوضع الشعب الأميركي، بملايينه الثلاثمئة، تحت تصرفها؛ إذا ما تعرضت للخطر! الفارق شاسع بين المقاربتين.
كلام كارتر لا يفضح تل أبيب فقط. بل أيضاً الرئيس بوش وإدارته وسياستها، تجاه القضية الفلسطينية. يضعها في الزاوية، كما يضع، تحت المجهر؛ زيف مواقفها الملتوية والمحرضة، ضدّ الشعب الفلسطيني وحقوقه، الإنسانية والسياسية. مواقف تكشفت على حقيقتها، خلال زيارة الرئيس بوش الأخيرة للمنطقة؛ وما تركته من استياء واسع، في المنطقة. الرئيس كارتر وضع النقاط على الحروف. أماط اللثام عن الممنوعات.
ربما يكون قد فتح الدفاتر المسكوت عنها؛ والتي وفرت الغطاء باستمرار لإسرائيل؛ لتواصل تماديها وتمتعها بالوضع الممتاز؛ الذي يقيها النقد المفتوح، حتى لا نقول محاسبتها ومساءلتها؛ خاصة في الساحة الأميركية. لكن المشكلة مع المسؤولين الأميركيين، أنهم يلوذون بالصمت، أثناء وجودهم في موقع القرار. خاصة الموقع الرئاسي.
بل يمتنعون عن رشق إسرائيل بوردة؛ ناهيك بليّ ذراعها، أو حتى ردعها. الحسابات السياسية المحلية تلعب دوراً هاماً في تحصين إسرائيل ليس لحمايتها ومنع محاسبتها فقط، بل أيضاً لترك الحبل على غاربه لها. وحتى الإمعان في تحريضها. صدمة كارتر لإسرائيل، ليس من المتوقع أن تترك أي تأثير على إدارة بوش وسياستها التوراتية، تجاه إسرائيل. لكنها على الأقل كسرت، ولو متأخرة، شيئاً من حاجز التواطؤ معها.
