استيقظت جنوب افريقيا في الأسبوعين الأخيرين من شهر مايو على سلسلة من العنف وأعمال النهب في ضاحية الإلكسندرا شمالي العاصمة جوهانسبرغ ثم امتدت إلى وسط المدينة، بعدها زحف لهيب العنف المندفع نحو منطقة غوتنبنبغ، وقد بدأ زعيق وهتافات الغاضبين من جنوب افريقيا والمحملين بالسواطير وكل ما وقعت عليه أيديهم من الأسلحة الممكنة للعنف، بما فيها أقدام الزرافات المقطوعة التي تحولت إلى آلات حادة.
ذلك المشهد العنيف المندفع خلق هلعا حقيقيا في المدينة التي بدت وجها جاذبا للاستثمارات الأجنبية، فمن عنق تلك الأبنية الزجاجية المرتفعة في المدينة باتت الأسهم والاستثمارات لرجال الأعمال أكثر من مريحة، ولكن الشغب المستمر في السنوات الأخيرة جعل من استقرار الأمن حالة مشكوك في أمرها.
فخلف تلك الأبنية الثرية والأنشطة الأجنبية للاقتصاد العالمي تعيش بعشرات الكيلومترات القريبة منها أكواخ الصفيح والبؤس وبؤر التوتر التي يفرزها الوضع الاجتماعي والاقتصادي السيئ لسكان ومواطني جنوب افريقيا، إذ عجز حزب المؤتمر منذ صعوده سدة السلطة من اجتثاث جذور الأزمات المستفحلة في البلاد كالبطالة والجريمة وأزمة السكن المتزايدة.
فما على طابور الساخطين والمتذمرين إلا تفريغ همهم ومعاناتهم وظروفهم الصعبة في الظواهر الأقرب إليهم وفي كبش فداء من السهل الوصول إليه، في ظل شعور قومي ووطني محتقن ووعي اجتماعي بات محدودا وشوفينيا معادية للأجانب، تضخمت ظاهرته في السنوات اللاحقة من سقوط نظام التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا.
إذ كثيرا ما رحب زعماء البلاد بالأجانب فيها، فكان من الطبيعي أن تندفع كل عناصر التراكم المحتملة للأزمة، فليست الاستثمارات الأجنبية وحدها هي التي بحثت عن مناجم الذهب والألماس في تلك البلدان الغنية، وإنما اندفع فقراء افريقيا والبلدان المجاورة لها، إذ تطلع الملايين في القارة نحو بلد بدا لهم ثريا وجديدا بفرص العمل وحلما لبناء حياة جديدة.
دون شك إن مجتمع جنوب افريقيا ورث قيم العنف، التي تركها فعل الممارسات العنصرية والاضطهاد فكانت ردود الفعل من القبائل والقوى السياسية عنيفا ومماثلا. ومع سقوط النظام العنصري عام 1994 كان على الرجل العجوز ووجه جنوب افريقيا الناصع نيلسون مانديلا والخارج لتوه من سجنه الطويل أن يقدم لشعبه حلما واسعا وكبيرا بالحرية والعيش الكريم.
ولكن مسيرة التغيير كانت طويلة وأدوات الثعبان الملتوية أصعب مما كان بإمكان الرجل العجوز من اجتثاثها في ظروف عالمية جديدة، ففي الوقت الذي كان فيه ينهار النظام الاشتراكي برمته كان في الجانب الآخر ينهار آخر نظام كولونيالي استيطاني عنصري في العالم، فبدت المعادلة لدى نيلسون مانديلا صعبة وكيفية مسالك الطرق الممكنة والاختيار في عالم بقطب واحد.
وفي بلد تهيمن عليه أصابع الإخطبوط العالمي لشركات الذهب والألماس والمعادن ومصانع السلاح المتقدمة في جنوب افريقيا لم تكن عملية الموازنة الاجتماعية والاقتصادية سهلة لحزب المؤتمر الوطني، فمن جهة تتزايد حدة البطالة والتكاثر السكاني والجريمة ومن جهة أخرى يتعمق التناقض الاجتماعي بين الثراء المستفحل والبؤس العميق، بين مدن مزدهرة غربية الطابع وأكواخ من الصفيح توقظنا على مشهد مدن العالم الثالث.
حيث يختبئ هناك خزان الاندفاع والانفجاريات الاجتماعية. وإذا ما تلاقت عوالم الجريمة بالبطالة والفقر وغياب الوعي من جهة فإن النهب والعنف رديفان لكل مسلسل العنف الاجتماعي، وقد يثير تساؤلات المراقبين وطوابير السياح في جوهانسبرغ وكيب تاون، ولكنه لن يثير استغراب من يرون ان ذلك نتيجة طبيعية أن تحدث خلال كل عقد أو عقدين.
وفي أوضاع متأزمة من هذا النمط فإن خصوم حزب المؤتمر كالأحزاب القومية المحلية بات لديهم أسلحتهم التي يشحذونها في وجه الحزب الحاكم بتحويل غضب سكان جنوب افريقيا في مهاجمة المهاجرين، فمن السهل تأجيج مواطنين عاطلين عن العمل ويعانون مشاكل اجتماعية قاسية بما فيها تناقص فرص العمل والسكن .
بسبب تلك الموجات المتواصلة من المهاجرين والتي لا تتوقف عن جنوب افريقيا لكونها أكثر ثراء وازدهارا وسوقا مفتوحا وفرصا للعمل، ولكن موجة المهاجرين الأخيرة من العنف والقتل التي عرفها مواطنو زيمبابوي دفعت بالسكان فيها إلى الهروب نحو جنوب افريقيا طلبا للحماية والاستقرار.
ويقدر عددهم ما بين مليونين وثلاثة ملايين لاجئ، بالإضافة لتزايد حجم القادمين من الصومال وموزامبيق ونيجيريا ومالاوي وباكستان، كل هؤلاء بالضرورة خلقوا خللا في سوق العمل والسكن ونمط الحياة بما في ذلك ازدياد حجم الجرائم، غير أن ذلك لا يعفي الطرفين من الواقع المؤلم.
الأول غياب دولة القانون وتصرف السكان الأصليين بروح العداء للأجانب ومن الجهة الأخرى أن يتحول الأجانب إلى حالة من حالات التنافس في سوق العمل مما يؤدي إلى هبوط في الأجور وتزايد في أسعار السكن وفرص العثور عليها، وإذا ما كانت حكومة جنوب افريقيا هي الطرف المنظم للوضع المتوتر والمتأزم فإن ذلك لا يلغي دور محاسبة الطرفين المعنيين بالأزمة وبأن معالجتها تتم عن طريق المؤسسات الشرعية وسيادة القانون.
ولكن يبدو أن الكيل طفح بسكان جنوب افريقيا، فلم يجد الفقراء والعاطلون فيها فرقا بين التمييز بين حالة النهب والسلب والاحتجاج السياسي وبين أولئك المجرمين ذوي السوابق الذين يجدون في مناخ الاحتجاجات فرصة لمهاجمة محلات الأجانب وسرقتها ونهبها، بعد ان عملوا من اجل تلك الممتلكات سنوات طويلة، وصاروا ملاكا صغارا لبعض الحوانيت والبقالات والمخازن الصغيرة والتي تعيش في الضواحي الأقرب لمناطق الصفيح.
كان بالفعل ذلك العنف مشوها لسمعة جنوب افريقيا كما أشار كبار المسؤولين فما كان منهم إلا الاعتذار لبلد ينتظر كأس العالم عام 2010 ويسعى لتحسين وضعه السياحي عالميا، ولكن الأهم هو ان حزن نيلسون مانديلا كان عميقا بصدد ذلك الاعتداء على المهاجرين، حين ناشد أن لا تنجر البلاد إلى (التفرقة المدمرة) وكأنما صوت غاندي القديم ينهض من تراب جنوب إفريقيا، إذ لا يمكن محاربة العنصرية بالعنصرية!.
كاتب بحريني
