نرتبط أو أرتبط بقطر على أكثر من مستوى وصعيد، فما يربطنا بها يتجاوز الهيكل الرسمي لمجلس التعاون، كما أنه يتجاوز حالة الجيرة والقرابة التي تربط بين العائلات في عموم المنطقة، أنها باعتقادي شكل من أشكال الارتباط الاجتماعي- الثقافي المتشكل في حالته الإنسانية أكثر منها السياسية.

فقد زاملنا من أبنائها وبناتها الكثير ونحن على مقاعد الدراسة في الجامعات العربية والأجنبية: في الكويت والقاهرة وبيروت وبريطانيا وأميركا.. وربطتنا بهم روابط وهواجس فكرية وثقافية وسياسية مشتركة. يبوحون لنا عما في دواخلهم القطرية ونبوح لهم عما في دواخلنا المحلية.

ننقل لهم عن هواجسنا فيما يتعلق بعلاقاتهم الخارجية وعن قناتهم الفضائية ودورها الإعلامي وريادتها في كسر احتكار المعلومة وإزاحة الخوف عن قطاعات كبيرة من مجتمعنا العربي، وكذا في بعض الأمور التي لا نرتضيها لها. كما وننقل لإخواننا القطريين عن انطباعاتنا وأحيانا مخاوفنا عليهم من سرعة وتائر التغير العمراني والاقتصادي التي لا بد وأن تحمل معها مواقف اجتماعية لا تكيفية على مستوى بعض الجماعات والتضامنيات داخل المجتمع القطري.

إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أنها كانت الدولة الأولى التي بدأت وبشكل جاد عملية إصلاح التعليم في المنطقة. وقد يكون من الظلم للتجربة والمجتمع الحديث عن مخرجاتها أو بالأحرى نتائجها في هذا الوقت المبكر من عمر التجربة، ومع ذلك فأنها تبقى تجربة في مستوييها التعليمي: العام والجامعي تجربه تستحق قدر أكبر من الدراسة والاهتمام على صعيد المنطقة.

ولقد لعبت قطر بفعل المكانة الجديدة التي احتلتها أدوارا سياسية على الصعيد الإقليمي العربي ولربما الدولي، هذا الدور الذي وجدته بعض الأطراف العربية التقليدية متجاوزا لحدود قدراتها وجغرافيتها السياسية، ولربما لدورها التقليدي. فهي قد لعبت أدوارا مهمة في الوصول إلى اتفاق بين الأطراف المتصارعة على السلطة في السودان.

وقد حاولت ذلك في الحالة الصومالية وهي رغم قدرتها على الوصول إلى اتفاق بين جماعة الحوثيين والسلطات اليمنية إلا أن هذا الاتفاق بقي كما يبدو مخترقا من قبل الأطراف المتصارعة على القوة فيها، وعاجزا عن الوصول إلى سلام بينهما.

وفي الحقيقة فإني لا أخفي عليكم بأنه قد انتابني قدرا من القلق فيما لو لم تستطع قطر كسر أسوار قد علت وشك قد تعمق بين الأطراف اللبنانية المختلفة: موالاة ومعارضة، وهي حالة عجزت عن حل عقدتها أطراف ومنظمات عربية ودولية.

وبدت القضية اللبنانية بسبب ذلك محور استقطاب وفرز بين الدول وفي أوساط الشعوب العربية، ساهمت في تعميقه الدول والقوى السياسية والاسلامية اللبنانية والعربية على حد سواء، ووظف فيه التاريخ والدين والطائفة ليخفي مرام وأهداف جلها يتعلق بالسلطة بمفهومها العام والشامل.

لقد حققت قطر كما يقولون معجزة أولا بقدرتها على جمع أطراف لم تجف بعد دماء قتلاهم ولم تختف من السماء أدخنة حرائقهم، وثانيا في الوصول لصيغة اتفاق توافقي إذا ما احترمته الأطراف اللبنانية والإقليمية ولربما الدولية. قد يكون قادرا على أن يشكل منعطفا مهما وأساسا لعلاقة جديدة في مجتمع اعتاد التقاتل بين أطرافه خلال الثلاثة عقود الأخيرة.

لقد سمح انحياز بعض الأطراف العربية القوية والاتحاد الأوروبي وأميركا لتيار المستقبل من ناحية أو انحياز بعض الأطراف العربية والإقليمية لحزب الله من أن تلعب قطر هذا الدور الذي عجز البعض عن القيام به، وأن تُحقق هذا الإنجاز الدبلوماسي الكبير، بل الأكبر في تاريخ دبلوماسيتها.

وهو اتفاق لم يكن بالإمكان تحقيقه لولا اتفاق أطراف أخرى إقليمية مؤثرة في الحالة اللبنانية امتلكت قطر بها علاقات سهلت من أمكانية الوصول إلى حل وتحديدا المملكة العربية السعودية وسوريا وإيران. فالقوى المسماة بقوى «الاعتدال» في المنطقة العربية بدت عاجزة عن حسم الموقف لصالح جماعاتها في لبنان.

كما أن قوى الممانعة رغم غلبتها العسكرية بدت غير قادرة على تحقيق النصر السياسي لصالحها، فالحسم العسكري لم يأت إليهم بنصر سياسي في مجتمع كان ومازال قائما على التوافق، الذي إذا ما انتفي شل المجتمع واختلت معادلته.

كما أن عجز قوى الموالاة عن الوفاء بمنطق التوافق الداخلي قد قادها لأن ترتكب أخطاء جسيمة قادتها لحالة من المواجهات المسلحة المفتوحة مع المعارضة، بل قادها وهي الجماعة الليبرالية لأن توظف منطق الدين والطائفة في مواجهاتها مع الآخر، وهي حالة ستبقى مصاحباتها واضحة على المجتمع اللبناني لفترة تطول من الزمن.

لقد بدا المنطق الأميركي تحديدا والقائم على معادلة «الغالب والمغلوب»، أي منطق «كسر العظم» ليس من الممكن مقاربته في مجتمع أو في مجتمعات اتسمت علاقات القوة بين طوائفه وجماعاته الأثنية المختلفة بقدر أكبر من التعقيد لم تستوعبها بعد الإدارة الجمهورية المحافظة وإن وظفتها لأجل خدمة مصالحها المتغيرة في المنطقة، هذه المعادلة الأميركية التي باتت تستسيغها كذلك بعضا من النخب الفكرية والسياسية في المنطقة العربية، والتي باتت مقتنعة أن صعودها لا يأتي إلا عبر دحر الآخر.

ولم يفلح الفشل الأميركي في العراق في تغيير هذا التوجه عن الإدارة الأميركية الحالية، رغم حجم الإخفاق الذي جاء على كل مخططاتها في المنطقة، ورغم محاولاتها الحياد عن ذلك بعض الشيء في الحالة العراقية، هذا الحياد الذي رغم كونه قد جاء متأخرا .

إلا أنه يثبت من جديد حقيقة إن التعددية الثقافية الشديدة في المنطقة العربية، لا يصلح لها المنطق الأميركي القائم على منطق الإفناء الكامل للخصم المحلي، فالأطراف العربية المتصارعة لا يمكن أن تستقر لها القوة كل الوقت، إن لم تستوعب فيها، هذا التنوع الثقافي القائم في مجتمعاتها والذي كان على الدوام جزءا أساسيا من قوامها السياسي وقوة أرثها الحضاري.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com