لا شك بأن حالة الاحتقان التي كانت سائدة داخل كل تفاصيل المجتمع اللبناني قد ساهمت بإنجاز ما تم الاتفاق عليه في اجتماع الدوحة، بل وساعدت أيضا في عملية هضم تلك القرارات بسرعة قياسية من قبل فئات الشعب اللبناني المنهك. فالجميع دون استثناء سئموا ظلام النفق الذي وضعتهم فيه حالة التجاذبات السياسية المحلية والإقليمية، ووصلوا إلى درجة خطيرة من الغليان كادت أن تهددهم في وجودهم وكيانهم.

لكن برغم ما تحقق في الاجتماع المذكور وهي في الغالب مكتسبات إيجابية كان يأمل المواطن أن يفوز بها منذ زمن بعيد حقنا للدماء وإنقاذا للوطن، فإن ما يبدو ملحا في هذه الساعة هو القيام بسلسلة من الخطوات الميدانية التي ستساهم بتعزيز الاتفاق وتحصينه من أية تأثيرات سلبية قد تهدده لا سمح الله.

في الوقت الحاضر، أعتقد بأنه قد يكون من الجرأة بمكان أن تتجسد أولى تلك الخطوات بقيام الزعماء اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم وتلاوينهم الإيديولوجية والمذهبية، بإجراء جردة حساب حقيقية لكل مواقفهم وتحركاتهم خلال الفترة الأخيرة.

ليس بهدف إلقاء اللوم على هذا الطرف أو ذاك، بل لتحقيق وقفة نقدية مع الذات يتغلب فيها كل واحد منهم على ظاهرة «الأنا» السلبية التي كانت تحكم تصرفاته وأهواءه طوال مرحلة التوتر والتي حصدت ما حصدته من أبرياء وحطمّت الكثير من جسور الثقة بين أبناء الشعب الواحد.

قد تبدو الدعوة لنسيان الماضي أهم وأكثر إلحاحا في الوقت الحاضر، لكن التجارب التاريخية علّمتنا في الواقع بأن الشعوب والأوطان لم تتمكن من تجاوز محناتها الأصعب إلا بعد إجراء تلك المراجعة النقدية الذاتية، لأن ذلك ساعدها في نهاية المطاف للغوص في جوهر الأزمة وأسبابها، وأدى في المحصلة النهائية إلى تحصين الوطن، بصفته مظلة للجميع، ضد جميع الآفات والمخاطر التي تحدق به.

يجب على اللبنانيين أن يتعلموا من مآسي غيرهم لكن بالدرجة الرئيسية من مآسيهم الذاتية، وأن يترجموا الشعارات، كل الشعارات التي رفعوها في خضم التوتر والتصارع اللذين عصفا بأرض الوطن، إلى اللغة التي يرغبها أبناءه ولا يريدون أن يفهموا غيرها.

إنها بلا شك لغة المنطق والحوار والعقلانية، التي لو احتكم إليها الجميع منذ البداية لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه من توتر وتخلّف تخجل منهما شعوب الأرض كافة. وقبل ذلك كلّه بالطبع، فإن الجميع مطالب في لحظة الفرح التي عمّت البلاد، أن يتعظوا من دماء الشهداء الذين سقطوا للأسف في المكان والزمان الخطأ، بغض النظر عن المذنب أو البريء في معادلة الدم هذه.

وأن لا ينسوا بأنه لولا مواقفهم وسياساتهم الخاطئة لما كانت تلك الدماء قد سالت في شوارع المدن اللبنانية، ولما حصل هذا الشرخ الكبير بين من بقي صامدا من أبناء الشعب الواحد. يجب على جميع السياسيين أن يبدؤوا فوراً بتبنّي الإجراءات الهادفة لتعزيز الاقتصاد الوطني، وقد بدأت تباشير التحسن تظهر بمجرد الإعلان عن التوصل لاتفاق، فما بالك إن تم رفد ذلك بإجراءات علمية مدروسة يتم تظليلها ودعمها من قبل جميع القوى السياسية.

وعلى هؤلاء أن يدركوا، بأن الإجراءات المدمّرة التي تبنّوها في الأشهر الماضية بهدف الضغط على هذا الطرف أو ذاك قد كلّفت الوطن غاليا، وأنهم مثلما أظهروا براعة في نيلهم من لقمة عيش المواطن، عليهم أن يقدموا التضحيات الأكبر لإطلاق ورشة بناء الاقتصاد الوطني مع كل ما قد يتطلب ذلك من ضرورات منطقية لإشاعة الثقة على الصعيدين المحلي والدولي.

ولا شك بأن الخطوات الميدانية التي تمت إثر الإعلان عن التوصل لاتفاق قد نقلت البلاد من مرحلة التوتر والخوف والمجهول إلى مرحلة مختلفة تماما ستكون الطمأنينة والأمل بمستقبل واعد من أبرز سماتها. تصوروا.. بضع ساعات فقط ساهمت بكل هذا التفاؤل فكيف إذا توافق الجميع على أعوام طويلة قادمة يسودها الرخاء والأمل؟

لكنني لا أعتقد للأسف بأن ما تم التوصل إليه في الدوحة سيشكل البداية الحقيقية لنهاية الأزمة اللبنانية، ولن يضع البلاد على السكة الصحيحة التي يطمح إليها معظم اللبنانيين. نعم سيساهم ذلك في تهدئة النفوس وتطييب الخواطر والزعم بأن كل شيء قد أصبح على ما يرام. وسيعيد ترميم المؤسسات الوطنية وفقا للتركيبة اللبنانية الفريدة «لا غالب ولا مغلوب» التي يتم صبغها أحيانا بشكل خاطئ بصيغة التعايش المشترك.

لكن ذلك لن يساهم ببناء دولة قوية حقيقية ولن يحصّن الوطن من المخاطر التي ستبقى محدقة به في كل لحظة. أما سبب التشاؤم هذا فيكمن في تفاصيل التجربة اللبنانية منذ نشوء الوطن المستقل وحتى اليوم، حيث أثبتت الأعوام الكثيرة والمحن الصعبة التي مر بها لبنان، أن مشكلته الرئيسية تكمن في طبيعة نظامه السياسي والطائفي، وأنه لن يكون هناك خلاص حقيقي له إلا إذا تحرر من هذا النظام الصعب والمعقد.

لن يتمكن لبنان من مواجهة تحديات المستقبل وهي كثيرة إذا استمر بالاعتماد على تركيبة سياسية متخلفة يعتقد المستفيدون منها لوحدهم بأنها الأسلم والأفضل، في حين أنها تشكل حسب رأيي المتواضع جوهر المشاكل الكثيرة التي تعصف به منذ استقلاله.

ولن ينهض لبنان من كبوته للانطلاق بشكل حقيقي إلا إذا أدرك الجميع بأن الوقت قد حان لصياغة نظام سياسي حقيقي يتنافس فيه الجميع دون استثناء ضمن إطار العمل الديمقراطي، المستند بشكل خاص إلى إيمان حقيقي بضرورة وضع كل القدرات والمقدّرات والكفاءات في خدمة الوطن وحده، لا في خدمة هذه الطائفة أو تلك، أو هذا الحزب أو ذاك. من هنا، فإن وقفة النقد الذاتية مطلوبة من الجميع، تحصينا للوطن، واحتراما لدماء الشهداء.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz