أمامي أطلس اكسفورد العالمي، وقد فتح على صفحة خريطة السودان المفصّلة، وعيني تقع على مدينة «أبيي» وقد استقرّت فوق خط العرض 10 شمالاً وداخل حدود إقليم كردفان الذي يتبع للسودان الشمالي. هذا هو الوضع الجغرافي القانوني لمدينة أبيي طوال عهد الإدارة البريطانية، ومنذ إعلان استقلال السودان في الأول من يناير 1956.

ماذا جرى إذن لتصبح أبيي منطقة متنازعاً عليها ويفضي التنازع إلى قتال على خطين متوازيين: بين قبيلة المسيرية وقبيلة الدينكا من جهة، وبين القوات المسلحة القومية وقوات جيش «الحركة الشعبية» الجنوبية من جهة أخرى؟ هناك خطأ أساسي اقترفته الحكومة السودانية من الوهلة الأولى بعد أن اتفقت مبدئياً مع «الحركة» على وقف الحرب بين الشمال والجنوب تمهيداً للدخول في عملية تفاوضية.

وكما هو معلوم فإن التفاوض سبقه «إعلان مبادئ» عُرف باسم «اتفاق مشاكوس» نسبة إلى الضاحية الكينية التي عُقد فيها الإعلان، ليحكم مسار العملية التفاوضية. وكان أهم وأبرز بنود هذا الإعلان هو أن يحتكم الطرفان إلى حدود السودان في 1 يناير 1956 كمرجعية رسمية لتعريف حدود كل من الشمال والجنوب.

لكن بعد أن وقّعت قيادة الحركة ومعها الحكومة على إعلان المبادئ فإنها عادت لاحقاً لتتنصل منه مطالبة بوضع بروتوكول خاص بمناطق ثلاث في مقدمتها أبيي. والخطأ الجسيم الذي ارتكبته الحكومة هو أنها في نهاية المطاف وتحت ضغط الوسيط التفاوضي الأميركي على مطلب الحركة.

وتضاعف هذا الخطأ بأن وافقت الحكومة أيضاً على إنشاء لجنة خبراء دولية بشأن أبيي يرأسها دبلوماسي أميركي دونالد باترسون سفير الولايات المتحدة لدى السودان خلال عقد التسعينات. والسؤال الذي يُطرح الآن هو: هل هناك فرصة لتفاوض سلمي لوضع حل يرتضيه طرفا النزاع؟

للعثور على أي حل من هذا القبيل ينبغي أولاً ردّ القضية إلى جذورها، القضية ليست نزاعاً محدوداً محصوراً بين حزب «المؤتمر الوطني» وشريكه السلطوي «الحركة الشعبية» الجنوبية، وفي إطارها الصحيح فإن القضية هي نزاع بين الشمال والجنوب.

وهذا بدوره يعود بنا إلى العملية التفاوضية التي أفضت إلى اتفاق نيفاشا للسلام. فقد انحصرت التركيبة التفاوضية في حزب شمالي واحد وتنظيم جنوبي واحد بإقصاء الأحزاب والتنظيمات الأخرى الشمالية والجنوبية معاً. قضية أبيي إذن تبقى محصورة في هذا الإطار الضيِّق طالما بقيت مرتهنة إلى وثيقة نيفاشا والبروتوكولات التابعة لها. واتفاق نيفاشا قام على خطأ بنيوي مما يستوجب إعادة التفاوض عليه بين اصطفاف شمالي كامل واصطفاف جنوبي كامل.

opinion@albayan.ae