من جديد يعود موضوع المصالحة الوطنية في العراق إلى الواجهة. تحقيقها كان وما زال حاجة ماسة. وقف النزف مرهون، إلى حدّ بعيد، بها. الانطلاق الفعّال لعجلة النهوض والبناء متوقف هو الآخر عليها. المفارقة أنه بقدر ما كانت المصالحة وباستمرار ضرورة عراقية بقدر ما تعثرت مسيرتها وخابت نتائجها.

الآن ثمة معطيات ومتغيرات داخلية وإقليمية توفر الأجواء الملائمة، اللازمة لإنجاز هذا الاستحقاق المهم، ومن دون تأخير. توفرها يغري بالتقاط الفرصة. بل يفرض واجب عدم تفويتها. قد لا تتضافر معاً في الآتي من الزمن. فالوضع الأمني على تحسن مقبول.

الأرقام مع المقارنة بما مضى تشي بذلك والهبوط ملحوظ. ولو أن الوضع لا يزال «هشاً»، كما تعترف المصادر العسكرية الأميركية. ومثل ذلك يعطي فسحة للسياسة ومعالجة إشكالاتها. على الأبواب أيضاً الإعلان عن تشكيلة حكومية، من المتوقع والمرتقب أن تشمل الحقائب الشاغرة وتوزيعها على القوى التي سبق وخرجت من الحكومة. ولا شك أن في ذلك خطوة كبيرة، لو تحققت، على طريق المصالحة ولمّ الشمل الوطني.

كذلك على الأبواب عقد مؤتمر، تستضيفه القاهرة مطلع الشهر المقبل، لبحث قانون المصالحة. هذا القانون، من المزمع صدوره في الآتي القريب، عن المراجع العراقية المختصة. وفي ذلك عملية دفع كبير في هذا الاتجاه، إذا ما سارت الأمور حسب المرسوم. قوننة المصالحة، يعطيها زخماً هائلاً.

إلزاميتها خاصة إذا ما حظي القانون بالإجماع، تجعل من تحقيقها مسألة تحصيل حاصل. ترفد هذا كله وتعطيه المزيد من الدفع، بل ينبغي أن تصب في تزخيمه؛ أجواء الهدنة والتهدئة، في المشهد الإقليمي. الساحة اللبنانية طوت صفحة مآزقها. الهدنة الفلسطينية - الإسرائيلية، طبختها فوق النار.

النووي الإيراني يبدو أنه يتجه نحو هبوط في حرارته؛ وذلك في ضوء التوجه الأوروبي نحو عرض جديد لإيران؛ والاستعداد الذي أبدته هذه الأخيرة لإبداء مرونة، عكستها التصريحات الرسمية، في معالجة هذا الملف.على هذه الخلفية، من المقرر أن يعقد «مؤتمر بغداد» الثالث للمصالحة؛ على مدخل الصيف، برعاية المعهد الدولي للحوار الدائم والمعهد الدولي للسلام الديمقراطي؛ وبمشاركة شخصيات أجنبية وإقليمية «لها تاريخ في انجاز المصالحات الوطنية».

ولا بأس من دخول الجامعة العربية على خط هذا المؤتمر. بل من الضروري دخولها؛ بحيث يتكلل الحدث بمصالحة عراقية، ترعاها على غرار ما تحقق في الدوحة بالنسبة للبنان. الجرح العراقي طال نزفه. اللحظة مواتية لخطوة بحجم المصالحة. كما لعودة عربية ناجزة إلى الساحة العراقية. ثمة فرصة لتكرار صفقة الدوحة على طاولة عراقية هذه المرة. ولا يجوز تفويتها.