تحت وطأة الانحياز الأميركي السافر لإسرائيل وذلك الخطاب التوراتي المتشدد الذي أطلقه الرئيس بوش في الكنيست الإسرائيلي، يبدو أن المؤسسة الإسرائيلية أخذت تلتقط اللحظة التاريخية المختلة للانقضاض مجددا على القضية الفلسطينية، وهذه المرة ليس على الشجر والحجر والإنسان الفلسطيني فقط.

وليس على الرواية الفلسطينية فقط، وإنما حتى على مصطلح »النكبة الفلسطينية« الذي على ما يبدو يتسبب بالأرق والقلق الدائمين لتلك المؤسسة، رغم ان هذا المصطلح لم يعد يتناسب حتى مع حجم الجريمة الصهيونية كما يؤكد الباحث الإسرائيلي د. ايلان بابيه، الذي دعا إلى إعادة النظر في مصطلح النكبة كتعريف لحرب عام 48 ونتائجها بالنسبة للشعب الفلسطيني، مشددا على أن الكلمة تضيق بالدلالات المروعة وبالحجم المهول للجرائم الصهيونية وللثلاثين مذبحة التي اقترفتها التنظيمات الصهيونية .

فقد شرعت المؤسسة الإسرائيلية بشن حرب من نوع آخر على القضية هدفها شطب مصطلح »النكبة« ليس فقط من القاموس السياسي الفلسطيني العربي، وانما كذلك من قرارات ومواثيق الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية..! ففي الرؤية الإسرائيلية يحمل مصطلح »النكبة«، »مغزى تهديديا«، فكما أعلنت تسفي ليفني في كلمة ألقتها أمام المشاركين في مؤتمر الرئيس بوش في القدس »أنه لا يمكن لإسرائيل القبول بأن تقام إلى جانبها دولة إرهاب أو دولة إسلامية متطرفة«.

مضيفة »انه لا يمكن للفلسطينيين الاحتفال بعيد استقلالهم إلا إذا تم شطب مصطلح »نكبة« من قاموس المصطلحات التابع لهم«. واستتباعا »طلبت بعثة إسرائيل لدى الأمم المتحدة من سكرتارية المنظمة الدولية توضيحات حول استخدام مصطلح النكبة في بيان أصدرته الناطقة بلسان الأمين العام بان كي مون، وفي السياق ايضا اعتبرت الخارجية الإسرائيلية ذكرى النكبة الفلسطينية أنها »مأساة من صنع ذاتي«.

فالنكبة إذن تنفي شرعية وجود »إسرائيل« ولا تكتمل حلقات تصفية القضية عندهم الا بمحو حتى المصطلح »النكبة«!

وليس ذلك فحسب، فقد كان وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي أفي ديختر هو الذي أطلق الطلقة الأولى في الهجوم على مصطلح (النكبة) حينما هدد عرب الـ 48 بنكبة جديدة.

اذ اعتبر خلال افتتاح أول فرع لحزب كديما الحاكم في الوسط العربي »أن من يبكي النكبة الفلسطينية عام 1948 ستحل به نكبة في نهاية المطاف«. وأضاف: إن من يجلس سنة بعد سنة ويبكي النكبة عليه ألا يستغرب أنه حقيقة في نهاية المطاف ستحل به نكبة.

وأشارت يديعوت الى ان أقوال ديختر جاءت على اثر رفض قيادة فلسطينيي الداخل مؤخرا المشاركة في احتفالات الذكرى السنوية الستين لقيام إسرائيل، وان ديختر هدد قائلا: إذا لم يحتفلوا باحتفالات يوم الاستقلال الستين فإنهم سيحتفلون بيوم الاستقلال السبعين أو الثمانين.

ومن جهته كان رئيس ما يسمى بـ »الليكود العالمي«، داني دنون قد توجه إلى آفي ديختر، وزير الأمن الداخلي بطلب إلغاء مسيرات يوم النكبة التي ينظمها الفلسطينيون في الداخل لأن الهدف من هذه المسيرات هو »التحريض ضد الدولة«، وجاء في بيان موجه إلى الصحافة أن ذلك (معارضة موجهة وتأمر من قيادة العرب في البلاد ضد وجود الدولة)، كما طالب باعتقال كل قيادي يشارك في المسيرات ويحرض ضد الدولة ومؤسساتها، واعتقال من يرفع علم »دولة معادية أو علم منظمة إرهابية«.

وعلى نحو متكامل، نذكر بان وزيرة التعليم الإسرائيلي سابقا »ليمور لبنات أطلقت هجوما أيضا على الرواية العربية« باسم »خطة المائة مصطلح لتعليم الصهيونية« وكان ذلك في مطلع العام الحالي 2005، ومضمون تلك الخطة التربوية التعليمية كما زعموا انها تهدف الى تعميق الصهيونية والديمقراطية والتراث اليهودي داخل المدارس في إسرائيل.

واشتملت الخطة التي جري تعميمها على المدارس الإسرائيلية بما فيها المدارس العربية هناك على مئة مصطلح تتحدث عن أهم وابرز الأحداث المتعلقة بالصراع عبر مصطلحات مركزة موجهة معسكرة صهيونيا مثل : »إعلان قيام إسرائيل« و»أنواع الاستيطان« و»ايلي كوهين« و»بنيامين زئيف هرتسل« و»جيش الدفاع« و»حروب إسرائيل« و»حوماه ومجدال - اي السور والبرج« و»زئيف جابوتنسكي« و»محاكمة ايخمان« .

وكذلك عن »المنظمات العسكرية الإسرائيلية قبل قيام الدولة« وعن الهجرات اليهودية قبل قيام الدولة و»وعد بلفور« و»يد فشيم -الكارثة او المحرقة«، كما كانت اتخذت الحكومة الإسرائيلية قبلها قرارا بتعليم تراث زئيفي ايضا في المدارس العربية إضافة الى اليهودية .

تداعت كافة القوى والفعاليات الوطنية العربية في فلسطين 48 للتصدي لهذا الهجوم التربوي الثقافي الاقتلاعي الجارف الذي يستهدف الرواية العربية برمتها ونجحت في وضع كراسة أطلقوا عليها اسم هوية وانتماء - مشروع المصطلحات الأساسية الطلاب العرب وهي رد على مشروع المصطلحات الصهيونية وتتسم المصطلحات العربية في هذا المشروع بالتاريخية وهدفها تكريس الهوية والانتماء للطلاب العرب .

وما بين خطة (المصطلحات المئة) لشطب الرواية الفلسطينية العربية، الى هجوم شطب مصطلح »النكبة« فإن الأهداف الإسرائيلية تتكامل استراتيجياً. ولذلك لا يمكننا في سياق هذا الصراع الجذري ان نفصل أنفسنا نحن في الخارج عما يجري هناك من حرب صهيونية قذرة تشن ضد أهلنا وشعبنا وقضيتنا على أهم وأخطر جبهة بقيت صامدة وهي جبهة التعليم والثقافة والرواية بغية شطبها وإلغائها بالكامل .

وبينما نسجل لأهلنا هناك تصديهم وصمودهم العظيم على هذه الجبهة، فإننا نؤكد على أهمية واستراتيجية المثقفين العرب في الخارج في تثبيت وتعميم وتكريس الرواية العربية في مواجهة الرواية الصهيونية، ولعل هذا السلاح هو بمثابة سلاح تدمير بالغ الأهمية لكافة الهجمات الصهيونية الرامية لاقتلاع وشطب روايتنا في وطننا وقضيتنا وحقوقنا الراسخة هناك.

كاتب فاسطيني

nawafzaru@yahoo.com