يخطئ من يظن إن وحدة العرب حلم القوميين العرب وحدهم بل ربما يخطئ من يظن إنهم قادرون على قيادة الشعوب نحو هذا الهدف، ليس فقط لأن العروبة الحقيقية المرشحة لأن تقود العرب للوحدة ليست »أيديولوجية« وإنما »ثقافة«، بل لأن تجارب الوحدويين العرب لتحقيق الوحدة تؤكد أن هناك خطأ في المنهج الفكري لدعوات الوحدة التي تبناها القوميون الناصريون والماركسيون.

وفي الذكرى الخمسين للوحدة المصرية السورية (1958 ـــ 2008) فإن البعض يستعيد المرارة والبعض يستعيد الأمل، أما أنا فأفضل التأمل في الدروس والعبر بعيدا عن تفاؤل مضلل أو مرارة محبطة. وما يبقى من درس الوحدة المجهضة أن دعاة القومية (الناصريين في مصر والبعثيين في سوريا) فشلا رغم انطلاقهما من أرضية أيديولوجية واحدة هي القومية العربية في تأسيس مشروع الوحدة على أسس واقعية من المصالح المتبادلة، ولذا فإنها لم تجد من يدافع عنها عندما قرر عدد محدود من الضباط إطلاق الرصاص على هذه الوحدة الوليدة.

وإذا تأملنا حصاد السنوات التي تلت هذا المشروع الذي مني بالفشل نجد ما هو أغرب، فمنذ الانفصال حتى زوال النظام البعثي في العراق لم تكد العلاقات السورية العراقية تشهد فترات من الهدنة إلا وتتبعها حروب باردة لم تكد تنقطع، رغم أن حزب البعث يحكم في العاصمتين.

ولعل هذه الحقيقة بالتحديد تلفت إلى خطأ جسيم تكرر مرارا في مشروعات الوحدة، هو الصراع العلني أو الخفي، الصريح أو الضمني بين الدول العربية ذات الثقل على موقع »الدولة القاعدة«، أي الدولة التي تقود بقية الدول العربية على طريق الوحدة .

وهو موقع سيطرعلى خيال الساسة القوميين تأثرا بالدور التاريخي الذي قامت به »بروسيا« في توحيد ألمانيا، وهو من ناحية أخرى مثال لسيطرة الخيال على عقل صناع القرار وهم يضعون أسس مشروع يفترض أنه سيؤثر في حياة الشعوب العربية كلها وبالتالي كان يجب أن يكون عقلانيا لأقصى درجة.

ومع مفهوم »الدولة القاعدة« تجذرت بدرجة أكبر فكرة تقسيم العالم العربي إلى »مركز« و»أطراف« على غرار بنية الدولة المركزية العربية التي تأسست في حقبة التحرر الوطني، وكما هو متوقع أدى هذا التخوف الذي لا يحتاج إلى جهد كبير لاستشفافه من وراء الشعارات الوحدوية إلى تمترس دولا بعينها وراء »سيادة الدولة«، وبديهي أن تعزيز سيادة الدولة يتعارض مع المشاريع الوحدوية.

ورغم تحميل هذه الدول المسؤولية الأولى عن فشل مشروع الوحدة وهو ما ينفيه الواقع نفيا تاما، فإن مخاوف هذه الدول لم تكن مختلقة، إذ كانت تخشى على نفسها من التحول إلى »كومبارس« خلف نجم أوحد يقود العالم العربي، والأخطر أنه كان سيصبح »كاريزما« جماهيرية مستبدة لا تقبل المساءلة، ودروس التاريخ كانت تغني أي مسؤول عربي عن أن ينتظر ليرى بعينيه على أرض الواقع ما أكدته التجارب بعد ذلك بالفعل.

وقد تعرضت مسيرة الوحدة كذلك لمأزق خطير ما زالت فصوله تتوالى حتى الآن باختلاف في التفاصيل هو استخدامها فزاعة في مواجهة الخصوم السياسيين، وهنا تحقق للقوميين هدفان: تبرئة أنفسهم أمام الناس من المسؤولية عن فشل الوحدة، وفي الوقت نفسه تشويه صورة خصومهم بوصفهم عملاء الاستعمار الذين يخربون التجارب الوحدوية.

كان القوميون العرب (ناصريين وبعثيين) اشتراكيين فوصفوا الرأسمالية الوطنية في بلادهم بأبشع الأوصاف ثم في مرحلة تالية تخلصوا من الرأسماليين تماما، وكان القوميون ـــ كذلك ـــ منحازين بشكل تام لحكم الفرد فاقتلعوا، لا التيار الليبرالي في بلادهم فحسب، بل كل دعاة الديمقراطية، واعتبروا هذا الاقتلاع نوعا من »التطهير« الحتمي، وكأن الوحدة العربية لا تتحقق إلا على أنقاض الرأسمالية وأشلاء الديمقراطية.

وهذه الحدية صدى للتأثير الفرانكفوني الثوري الطاغي على قيادات القوميين العرب، وكأنهم بهذا الموقف أعادوا صياغة شعار الثورة الفرنسية: »شنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس«. وهذا التجني لم يكن يعني وقوع ظلم على هؤلاء فحسب، وهو بحد ذاته جرم ارتكب باسم العروبة والوحدوية، بل يعني أمرين أكثر أهمية: أولهما تبرئة »الجاني« الحقيقي الذي يعني تركه طليقا أن يفسد أي مشروع آخر غير مشروع الوحدة، فمن أفسد هذا قد يفسد مسعانا للنهضة مثلا.

أما الأمر الثاني فهو أنه يعني أن الحل بسيط جدا هو في التخلص من أعداء الوحدة ـــ الرجعيين ـــ لتتم الوحدة فورا!!

والشوق للوحدة العربية شوق مشروع بل نبيل، لكن بعض حسني النية ممن يحملون هذا الشوق يفكرون بهذا المنطق التبسيطي المخل الذي يربط إنجاز الوحدة بالتخلص من أعدائها، وهو منطق يشبه ما يفعله اليهود في عيد الغفران، فحسب موسوعة »اليهود واليهودية والصهيونية« للمفكر العربي الإسلامي المرموق الدكتور عبد الوهاب المسيري .

فإن من شعائر عيد يوم الغفران طقس يسمى »كـابَّـاروت« وهي صيغة جمع لكلمة »كابَّاراه« العبرية وتعني »تكفير«. وهي إحدى الشعائر اليهودية التي يتم من خلالها نقل خطايا اليهودي الآثم بشكل رمزي إلى طائر. وتأخذ الشعيرة الشكل التالي: تُتلى بعض المزامير وفقرات من سفر أيوب ثم يُدار حول رأس اليهود طائر يُفضَّل أن يكون أبيض اللون (ديك إذا كان الآثم ذكراً ودجاجة إذا كان أنثى) ثم يُتلى الدعاء التالي: »هذا هو بديلي، قرباني، الذي ينوب عني في التكفير عني، هذا الديك (أو الدجاجة) سيلقى حتفه، أما أنا فستكون حياتي الطويلة مفعمة بالسلام«.

إن النفس الإنسانية قادرة دائما على الدفاع عن ميولها وقناعاتها وانحيازاتها بحيل من مثل هذا النوع، و»أعداء الوحدة العربية« (إذا صح أن هناك أعداء للوحدة العربية) لم يساهموا في إفشالها بل إن دعاتها لم يعملوا بجدية لإنجاحها وقد حاولوا إنجازها وهم في السلطة يحكمون دون منازع أو معارض وتتبعهم جماهير كانت مفعمة بالأمل والحماس، لكنهم فضلوا بدلا من الاعتراف بأخطاء التجربة أن يتحملها نيابة عنهم ديك الغفران اليهودي!.

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com