بانتخاب العماد ميشال سليمان، أمس، رئيساً جديداً للجمهورية؛ انتهى فراغ دستوري، دام حوالي ستة أشهر. الأيام الأخيرة التي سبقت اتفاق الدوحة، حملت معها عيّنة من الأهوال، التي بدا البلد وكأنه مندفع نحوها؛ بشكل انتحاري. مع حدث سدّ الشغور الرئاسي، ـ على أن يلحقه تشكيل الحكومة وإقرار قانون الانتخاب ـ تكون هذه الصفحة قد انطوت وغاب عن الساحة شبح المجهول.

لبنان تنفس الصعداء. ومعه المنطقة أيضا. لكن الخروج من المأزق، لا يكفي. لا بدّ وان يستكمل بالدخول إلى رحاب الحل. الأول، نصف الخلاص. النصف الثاني، يتمثل في ولوج باب بناء صمّامات الأمان التي تكفل عدم تكرار الوقوع في مثل هذا المأزق. اتفاق الدوحة شقّ طريق مرحلة جديدة مختلفة، على النقيض مع فترة الفراغ. انتخاب الرئيس سليمان، يمثل نقطة القطيعة مع تلك الفترة. لكنه ليس بالضرورة مع العوامل المعروفة، البرّانية والجوّانية، الكامنة للأزمة.

مع ذلك يبقى لما شهده مبنى البرلمان اللبناني أمس، دلالاته البالغة الأهمية. معه عاد التفعيل للدستور، الذي كان في إجازة، غير طوعية، مديدة. وبذلك تحققت أول خطوة أساسية لوضع القطار السياسي اللبناني على سكّته. ومعه أيضاً عاد مجلس النواب إلى دوره؛ بعد تغييب امتدّ لسنة ونصف؛ كاد أن يصبح في قائمة المنسيّات. وبعودة هاتين المؤسستين الأم، إلى دورتهما الطبيعية؛ تكون عملية التصويب قد انطلقت.

والأهم أن الأزمة، مع هذا التطور، تكون قد انتقلت من الشارع إلى المؤسسات. من الصراع المسلح، الذي كاد أن يصبح اللغة الوحيدة، إلى الصراع السياسي المشروع؛ وعبر القنوات المشروعة. نقلة نوعية هائلة، قد تحققت. أعفت البلد من الانزلاق إلى آتون حرب أهلية طاحنة؛ وأعادته إلى جادة الصواب.وما يشجع أكثر، أن المسار الجديد هذا، سائر أيضاً، في المقبل من الأيام ـ وفق الاتفاق ـ، نحو المزيد من التعزيز والتزخيم.

حكومة وحدة وطنية، في طريقها لتبصر النور؛ في غضون أيام. ومن ثم هناك ولادة قريبة متوقعة، لقانون انتخابي جديد؛ بالإجماع. وبذلك تكون المؤسسات الثلاث قد استأنفت دورتها، لتسيير ماكينة الحكم. ورشة ناشطة لإعادة بناء الدولة، بكامل أجهزتها. العودة إلى أحضانها، كان المخرج المنقذ، لكافة الأطراف وللبلد.

التحدّي، من الآن وصاعداً، يكمن في مواصلة هذه العملية. والأهم في الالتزام بمبدأ الاحتكام لهذه المؤسسات؛ عند طرح الملفات الخلافية الكبيرة. استحقاقات صعبة تنتظر اللبنانيين. الإيجابي، أن كل الأطراف «تعهدت» بمعالجة الملفات، بغير الطرق التي سادت، في زمن الفراغ.

بعد هذا التعهد ـ في اتفاق الدوحة ـ وبعد عودة الحياة لمؤسسات الدولة، لن يكون هناك عذر للخروج عن هذا السبيل. فالبلد بعد الذي مرّ فيه مؤخراً، ما عاد من الجائز أن تتكرر فيه مجازفة الفراغ والتفريغ. علّ اللبنانيون لا ينسون حكمة «إن المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين».