كتبنا في مقال أمس عن مرحلة الجشع التي وصل إليها بعض الأبناء العاقين الذين يتحملون مسؤولية آبائهم، بعد أن تقدم بهؤلاء المسنين العمر ولم يعد كثير منهم قادرين على تسيير أمورهم وإدارتها خاصة الأمور المادية.
وقلنا إن عددا من هؤلاء الأبناء أصبحوا يستغلون ضعف ذويهم وقلة صحتهم ذهنياً وجسدياً وحاجتهم إليهم ليقوموا برعايتهم، وقد أخذ هذا الاستغلال صوراً منها توقيعهم على وكالات عامة، ووكالات خاصة لتحصيل أو بيع وشراء، ذات صلة بممتلكاتهم الخاصة أو حتى استلام مساعدات تقدمها لهم الدولة بحجة عدم نفع هؤلاء المسنين وخدمتهم.
في حين أن واقع الحال يثبت أن ما يقومون به من رعاية ليس إلا لتحصيل فوائد أكبر تزيد من حصيلة هؤلاء الأبناء. لا نبالغ فيما نتحدث عنه فالقصص التي سنسرد بعضا منها خير دليل على ما نقوله.
تؤكد باحثة اجتماعية في أحد المكاتب المسؤولة في الدولة عن تقديم معونات مادية للمسنين عن وجود أبناء تم توكيلهم لاستلام المبالغ المادية عن ذويهم، وقد فوجئوا أثناء زيارات مفاجئة لهؤلاء المسنين أن بعضهم قد توفي منذ سنوات ومازال الأبناء يصرفون تلك المبالغ على أنفسهم دون أن يبلغوا الجهات المعنية.
وآخرون أوكلوا أمر العناية بآبائهم وأمهاتهم إلى المستشفيات الحكومية التي ترعاهم دون أن يصرف الأبناء فلساً واحداً عليهم، أضف إلى ذلك الحالة المزرية التي وُجد عليها بعض المسنين في منازلهم والتي تدل على أن تلك المساعدات لا تنفق عليهم مطلقاً .
ولو كانت تنفق لبدا حال هؤلاء المسنين أفضل على الأقل في مقر إقامتهم، ناهيك عن قصص أخرى لا يستطيع من لديه قلب وضمير احتمال قراءتها لأنها تؤكد وجود أفراد جشعين لا يخجل الواحد منهم من استغلال والديه.
ولا يخجل من تقصير في رعايته لهما، وذلك كله ليس لشيء سوى المال وليس لسبب آخر. لذا فإننا نأمل من الجهات المعنية في الدولة أن تفكر في آلية يمكن من خلالها حماية هؤلاء المسنين من الاستغلال والابتزاز من أقرب الناس إليهم خاصة عندما يصبح الواحد من هؤلاء غير قادر ذهنيا وصحيا على إدارة شؤونه وحماية نفسه.
فمسؤولية هذا المسن لا تقل في حجمها عن مسؤولية الإنسان القاصر الذي أنشئت هيئات ومؤسسات تدير أمواله وتحميه لحين يبلغ سن الرشد. الدولة أكرمت المسنين وقدمت لهم على سبيل المثال مساعدات الضمان الاجتماعي التي يتلقونها من مكاتب وزارة الشؤون الاجتماعية في الدولة، وبنت لهم استراحات ومراكز للعناية بمن انقطعت بهم السبل من أقاربهم أو من يعجز ذووه عن رعايته بسبب سوء حالته الصحية.
لكن هذه الجهود لا ينبغي استخدامها بشكل سيئ ضد المسنين عن طريق استغلال مالهم، ولا عن طريق التخلي عنهم والزج بهم في مراكز أو استراحات رعاية المسنين. لذا فإننا نكرر مطالبتنا بإيجاد مؤسسة أو هيئة ترعى شؤون المسنين الذين أصبحوا غير قادرين على رعاية شؤونهم بأنفسهم لأسباب صحية، فذلك سيكون مبعثا للطمأنينة لنا على مسنين من الواجب أن نضعهم في أعيننا.
