حين يخنقنا الشعور بالألم، وحين يسحقنا الشعور بالعدم، وحين تسقينا الحياة من كأسها مر السقم، وحين يحرمنا الأمل من كلمة نعم، فلا من نعم لحياة أفضل، ولا من نعم لعيشة أجمل، ولا من نعم لكل من يتسول العطف ويسأل، فلا شك بأننا نواجه زمناً مراً لا يحتملنا وله لن نتحمل، إن لم نجد به من يمد لنا يد العون لنفعل.
اليد التي يحتاجها الكثير منا لمواصلة مشواره في هذه الحياة، خاصة بعد أن عبثت به أمواجها لتقذف به لحالة يُرثى لها تماماً كما حدث ل«يحيى» الذي عبثت به ظروف الحياة فأجبرته على إطلاق صرخته القاتلة التي لم يطلقها إلا بعد أن قتله الألم، بسبب ما حدث له في عام 2006 وما زال يعاني منه وحتى هذه اللحظة، ويبقى السؤال: من هو يحيى وما الذي حدث له؟
هو المصري يحيى علي أبو بكر شاب يبلغ من العمر 30 عاماً، كل عام من أعوام عمره مكلل بحلم جميل، حمله في أحشاء أيامه بكل التفاصيل الدقيقة ليتحول يوماً ما من الحلم لحقيقة، وهي حقيقة كادت أن تتحقق حين توفرت له فرصة عمل مناسبة في الدولة والتي لم يتوان ولو للحظة عنها، فكان أن عمل بجد واجتهاد فأطلق العنان لعزمه ليحلق به نحو القمم.
غير أنه حلق وبالفعل ولكن نحو الدمار، ففي صباح أحد الأيام وقع «يحيى» ضحية انفجار بئر للبترول تسبب له بخسارة فادحة، لم تُبق له على أي شيء منه سوى جسد عاجز يحمله حين يُحمل، لأنه وللأسف قد أصيب ب«شلل رباعي» حرمه حق العيش بكرامة وما تبقى له من أيام لا يدركها أحد إلا الله.
إن الألم الذي غُرس ب«يحيى» بفعل تلك الحادثة الأليمة لم يكن ليؤلمه وحده، فقد امتد ليصل لكل من يكن له الحب، كوالدته المريضة والتي تعيش وما تبقى لها بما تبقى لها من أجل اللحظة التي تناظر فيها «يحيى» كسابق العهد، لذا فهي تلك المرابطة ومنذ أولى لحظات دخوله للمستشفى وحتى هذه اللحظة على أمل حدوث تلك المعجزة التي كانت ومازالت وستظل تدعو الله من أجل حدوثها ذات يوم.
وهو ذاته ذات اليوم الذي ينتظره «محمد» شقيقه الأكبر الذي خَلَفَ خلفه كل التزاماته العملية، وألقى بكل أحلامه وأحلام أبنائه المستقبلية فقط من أجل التواجد مع «يحيى» بهذه اللحظات الحرجة، وهو التواجد الذي كلفه الكثير، فهو يتطلب خوض معركة ضارية والجهة التي كان يعمل لديها «يحيى» والتي حتى الآن لم تنبس بالحل الذي يُرضي جميع الأطراف.
حالة الشاب يحيى تتطلب سرعة البت فيها ليأخذ حقه، ويعود إلى بلاده التي تركها شاباً مفعماً بالحياة والنشاط والأمل، تراوده أحلام كثيرة لم يسعفه القدر لتحقيقها، يعود إليها جسدا بلا حراك وأحزاناً لا يستطيع التعبير عنها سوى بنظرات كلها يأس وألم تخلف في قلب أمه السبعينية أضعاف ما يقاسيه، ويعانيه من آلام.
حالة بحاجة إلى قرار إنساني قبل أن يكون إداريا يعجل بالحد من مأساة هذه الأسرة، ليس بتقديم أي دعم معنوي لابنها المريض فلا شفاء يرتجى له، بل مساعدة أهله في تقديم العلاج له الذي يكلف شهرياً ـ وفق أسرته ـ 70 ألف جنيه مصري، فيما ترى الشركة أنه ليس لهم عندها سوى 200 ألف درهم وفق قانون العمل، وهو ما ترفضه الأسرة وتراه غير عادل.
لقد أصبح كل يوم في عمر هذه الأسرة مزيداً من الألم والمعاناة، مع حالة ابن مشلول يقبع في المستشفى وأم مريضة تسهر عليه وهي من تحتاج إلى من يعتني بها، وابن آخر ترك هو الآخر عمله وأسرته وجاء إلى هنا يقف بجانب شقيقه، جميعهم يتوقون لحل المشكلة والعودة إلى وطنهم مثخنين بجراح وآلام لا نريدها أن تضاعف بضياع حقهم المادي.
