أنهت الكويت الأسبوع الماضي عرسها الانتخابي الكبير الذي انتخب من خلاله الشعب الكويتي أعضاء مجلسه التشريعي الجديد ـ مجلس الأمة ـ المكون من خمسين عضواً ليبدأ مرحلة جديدة من مراحل تطور الكويت السياسي.
وبغض النظر عن ما سيؤول إليه الوضع في الكويت مع المجلس الجديد إلا أننا جميعاً نهنئ الشعب الكويتي على ممارسة حقه السياسي في الانتخاب والترشيح لعضوية مجلس الأمة والمشاركة في عملية صنع القرار في بلده، بل إننا نغبطه على ذلك الحق الذي لا يتمتع به معظم سكان الوطن العربي الكبير.
وإذ نثني على هذه التجربة الكويتية إلا أننا لا بد وأن نقف عند ظاهرة تعتبر سلبية أينما وجدت وفي أي انتخابات ما كانت ألا وهي ظاهرة توغل المال لتسيير الحملات الانتخابية للمرشحين، وهي الظاهرة التي توغلت وللأسف الشديد في الانتخابات الكويتية بشكل كبير وواسع الأمر الذي قد يفقد هذه التجربة الرائدة في العالم العربي بعضاً من مصداقيتها.
فالانتخابات البرلمانية الأخيرة في الكويت أثبتت بأن أصحاب المال هم الأقرب للفوز بمقاعد مجلس الأمة من غيرهم من المرشحين الذين لا يتمتعون بالمال. فإذا كان متوسط تكلفة الحملة الانتخابية في الانتخابات البرلمانية الكويتية الأخيرة قد وصل إلى نصف مليون دينار كويتي ـ أي نحو خمسة ملايين درهم ـ .
فإن ذلك يعني بأن أولئك الأشخاص الذين يرون في أنفسهم الكفاءة في تمثيل الشعب الكويتي من أصحاب الطبقة الوسطى سيكونون خارج الحسبة الانتخابية باعتبار أنهم غير قادرين مادياً على دخول المنافسة، الأمر الذي يعني أن الساحة تبقى مفتوحة فقط للأغنياء القادرين على تمويل حملاتهم الانتخابية بذلك الحجم من التكاليف أو دخول أصحاب المال والشركات أو من يسمون بجماعات الضغط لتمويل بعض المرشحين الغير قادرين على تمويل أنفسهم بأنفسهم.
ومثل هذه الجهات بالطبع لن تمول أي مرشح إلا وهي تعلم بأن هذا المرشح أو ذاك سيعمل للدفاع عن مصالحها في مجلس الأمة مما يعني سيطرة أصحاب المال على المجلس الذي يفترض أن يسيطر الشعب بمختلف فئاته عليه. فالديمقراطية الكويتية أصبحت ديمقراطية للأغنياء أكثر من أنها ديمقراطية ممثلة للشعب الكويتي بأكمله باعتبار أنها ديمقراطية تجلب الأغنياء لعضوية المجلس أو أولئك الذين يمثلون مصالحهم.
صحيح أن الصرف على الحملات الانتخابية أمر معمول به في كبريات الدول الديمقراطية في العالم كالولايات المتحدة، إلا أن التوغل الكثيف للمال في النظام الانتخابي الأميركي يلقى الكثير من الانتقادات من داخل المجتمع الأميركي التي تصفه بأنه نظام للأغنياء بالدرجة الأولى ولا يحقق إلا مصالح أصحاب المال.
فمقولة أن «الفقير يستطيع أن يهزم الرئيس» هي ليست إلا وهم من الأوهام التي أدخلها بعض الأميركيين على نظامهم الانتخابي، حيث أن الحقيقة تقول بأن كرسي الرئاسة غالي الثمن والمرشح بحاجة إلى أن يصرف مئات الملايين من الدولارات حتى تكون له فرصة الوصول إليه، فكيف يمكن للفقير أن يهزم الرئيس إذاً؟! والحديث يصح كذلك على واقع الكونغرس الأميركي الذي لا يصل إليه إلا المقتدرون.
وعضوية المجالس البرلمانية ليست وظائف استثمارية يمكن أن نقول بأن المرشح في أي دولة ما كانت سيعمل على صرف ما لديه من المال وربما يقترض من هنا وهناك حتى يتمكن من الوصول إلى عضوية البرلمان فيحصل على راتب مجز يعوضه خسائره في الحملات الانتخابية.
فالحقيقة أن المكافأة التي تمنح لأعضاء المجالس البرلمانية ليست بالمكافآت المجزية التي يمكن أن تعوض ما صُرف في الحملات الانتخابية، فعضو مجلس الأمة يتقاضى مكافأة محدودة تصل إلى نحو 2300 دينار كويتي في الشهر الواحد أي أنها مكافأة غير مجزية وبالكاد تسير أمور الشخص الحياتية اليومية في شهر واحد.
وفي الولايات المتحدة حيث يصرف المرشح للكونغرس الملايين من الدولارات ليتمكن من الحصول على مقعد في الكونغرس فإن ما يحصل عليه عضو الكونغرس الأميركي من مردود مادي من جراء عضويته في الكونغرس هي مكافأة مالية شهرية تقدر بنحو 14 ألف دولار أميركي.
وهي مكافآت لا يمكن أن تعتبر مجزية لدرجة أنها تمثل استثمارا ماديا أو تساعد على أن يستطيع المرشح أن يستثمرها في حملات انتخابية تكلف الملايين. الكويت بانتخاباتها التشريعية تعتبر بحق هي الدولة الرائدة في هذا المجال في المنطقة العربية وتجربتها الانتخابية تعطينا المثل الذي يجب أن نتعلم منه بأخذ الإيجابيات وترك السلبيات.
ولعل الانتخابات الكويتية بها الكثير من الايجابيات لكنها بالطبع لا تخلو من بعض السلبيات، ونحن بحاجة إلى أن نقف على تلك السلبيات ونحاول أن نتعلم منها، وأول تلك السلبيات هي ظاهرة المال السياسي المتوغل في العملية الانتخابية التي يجب على أي دولة راغبة في إنجاح تجربتها الديمقراطية أن تضع .
مثل هذا الأمر نصب عينها حتى لا تصبح المجالس البرلمانية في الدول العربية حكراً على أصحاب المال الذين قد لا يكونون على درجة من الكفاءة في تمثيل مصالح المواطنين ويبعدون بالتالي أصحاب الكفاءات من فئة الطبقة الوسطى عن دخول البرلمانات وتمثيل مصالح المواطنين بطريقة أكثر كفاءةً عن غيرهم.
جامعة الإمارات