نحن في غمرة أطول حملة انتخابات رئاسية في التاريخ المعاصر، وهي لم تبدأ بعد في التركيز على الانتخابات العامة، وهذا بالتأكيد، أكثر من كاف ليدفع بالكثيرين منا إلى حافة الجنون، لكن أكثر الناس معاناة هو الرئيس بوش نفسه.
ولقد سبق وأشرنا هنا إلى أننا لم نشهد منذ العام 1992، انتخابات لم يكن فيها رئيس أو نائبه، في منصبيهما، يخوضان معركة دفاع ولو جزئياً عن سجل إدارة مازالت قائمة، وهذا معناه، ان الرئيس بوش، ليس مجرد «بطة عرجاء»، وانما هو هدف سائغ للمرشحين الثلاثة جميعا، الذين ليس لأي منهم أي استثمار في ارث الرئيس.
وعندما لا يشارك صاحب منصب في سباق طويل، فإن كل أحداث السنوات الأربع الأخيرة، تصبح لعبة عادلة وغير قابلة لدحضها، ففي عام 2004، وقف الرئيس بوش مدافعاً في خطبة السياسة شهوراً عدة، عن سجله السياسي، الذي تحول إلى مادة دسمة لانتقادات المرشحين الرئاسيين الثلاثة على نطاق يومي.
أما جون ماكين، فقد نأى بنفسه عن بوش، قدر استطاعته، بالرغم من أن خصومه الديمقراطيين يكنونه ب«جون مكبوش» ـ عندما لا يكونون يتبارون فيما بينهم، في انتقادهم المرّ للرئيس، وفي الأسبوع الماضي، سألت أحد نقاد «بوش» اللاذعين، عن رأيه في المعدلات التي وصلتها البطالة.
وخروقات الرهن العقاري، وإحصائيات النمو الاقتصادي الأخيرة، وأسعار الفائدة، والحالة التي وصلت إليها سوق الأسهم، فما كان منه، إلا أن ردد جملة الحملة الانتخابية الشائعة المتشائمة «الركود»! إنه الأسوأ منذ أيام «الكساد»، لكنه ما لبث أن ضحك ساخراً عندما قلت.
بأن الجواب هو أن معدل البطالة بلغ 5% في شهر أبريل أقل من إحصائية شهر مارس، وأن 97 في المئة من الرهونات العقارية لم تدخل حيِّز الحبس الرهني خلال الربع الأول من العام، وبلغ معدل النمو 6 في المئة خلال الربع ذاته (وهو ضعيف لكن ليس إلى درجة الركود) وأسعار فائدة تاريخياً منخفضة، وسوق أسهم اسعارها وصلت إلى ارتفاعات صاروخية.
إن هناك مشاكل جد خطيرة، تتجلى في أسعار المحروقات العالية، وأسعار المواد الغذائية المرتفعة والدين الأجنبي الصاعق، والعجوزات السنوية، ومع ذلك فإننا نرى رئيساً أو نائباً له ممن أعاد ترشيح نفسه لمنصب الرئاسة (وتغطية الإعلام على مدار الساعة) يتبجح بالقول إن هناك أخباراً سارة كثيرة، وأن المساوئ التي شابت، هي مسؤولية مشتركة للفرقاء، من الكونجرس إلى النهج الذي كنا نحن عامة الشعب نمارس فيه أعمالنا خلال العشرين سنة الماضية.
وبوش على غرار ترومان، سيترك تقييمه الأخير للأجيال المقبلة، لكن بوش ولأسباب تاريخية كثيرة فضلاً عن مصلحته الذاتية، يتوجب عليه طرح وضعه غير الشعبي إلى الشعب بالمزيد من المؤتمرات الصحافية والخطب الجماهيرية، والمقابلات الشخصية.
ولا ريب أن إرث بوش سيتأثر بهؤلاء الذين سيخلفونه، فقد كيلت المدائح لرونالد ريغان بعد تركه لمنصبه، ربما لأن الجمهوريين، خلفوه لمدة أربع سنوات، على العكس تماماً من جورج بوش الأب، الذي غادر منصبه في عام 1992 وحمّل مسؤولية أخطاء جمة في السنوات الثماني اللاحقة، وعلى المنوال ذاته، تقارير صورة ليندون جونسون وجيرالد فورد وجيمي كارتر وبيل كلينتون عندما كان الرؤساء من الحزبين المنافسين يتعاقبون على الرئاسة.
ثانياً: إن مفاهيم عامة مثل ثقة المستهلكين الرائجة أو تأييد الحرب يمكن أن تؤثر تأثيراً دراماتيكياً بنجاح السياسة أو فشلها، كما أن الدفاع عن قرارات سابقة يمكن أن يحسن في بعض الأحيان من نتائجها.
ثالثاً: إن حجج المرشحين الثلاثة ستزداد قوة، فيما لو جرى تذكيرهم بأن مشاكل الطاقة والغذاء، ومعضلات السياسات الخارجية والهواجس الاقتصادية، تتضمن في طياتها خيارات سيئة وأخرى أشد سوءاً، إن أكثر ما يعني الشعب الأميركي، هي الكيفية التي سيعملون فيها على تحسين أحواله المعيشية بدلاً من طرق أسماعه المستمر، بأن مشاكلنا الجماعية ما هي إلا نتيجة خطأ رجل واحد، وأن غرس الفكرة القائلة بأن «بوش هو السبب» في ضمائر الشعب لن تحل أزمات الطاقة والاقتصاد والسياسة الخارجية الماثلة أمامنا.
كاتب أميركي