تسألني صديقتي اللبنانية التي تحار كيف تفسر سر هذه الفرقة في بلادها: كيف يا صديقتي يتفق الصينيون وهم مليار ومئتا ألف في حين نعجز نحن اللبنانيين ونحن أربعة ملايين على أن نتفق؟

فأقول لها: كيف نتفق ونحن منذ لحظة هبوطنا على هذه الأرض لا نتعلم سوى أنني أحسن من جاري، وأننا وجيراننا أحسن من الجارة الأخرى، ونحن والجارة الأخرى أفضل من البلاد الأخرى، إن الثقافة التي تزرع نبذ الآخر وتضخم الذات لا تجني سوى هذه الفرقة المتجلية في حرب تبدأ تارة بالدم وتارة باللسان الديمقراطي.

اليوم لا أدري كم واحدا يقف مشدوها أو متعجبا من المشهد الديمقراطي في الانتخابات الأميركية وكيف يرى تجليات الديمقراطية الصعبة، ووصول رجل أسود وامرأة كمرشحين في انتخابات رئيسها المقبل، في بلاد خاضت حربا أهلية من أجل تحرير العبيد منذ قرن ولم تعترف بحق المرأة السياسي حتى عقود.

هاتان الفئتان المضطهدتان تتحرران وتتسابقان على أعلى وأهم منصب في الولايات المتحدة، لأن هناك ما يسمى بديمقراطية مجتمع واحد يتساوى فيه المواطنون، لا فرق بين أسود ولا أبيض ولا رجل وامرأة إلا بالكفاءة وحسن الأداء. هل يعني هذا شيئا للعقلية العربية اليوم؟ هل يمكن أن يستقي المتأمل من هذه الصورة فكرة لما يمكن أن تعنيه الديمقراطية، وهل يمكن أن يقبل صورتها حتى ولو انتهت بخسارته هو؟

منذ سنوات انتشرت في الرياض نكتة تقول «إن ابوصالح وابوسليمان في حارة بعيدة في مدينة سعودية أخذا يتجاذبان حديثا، بدأ بالذكر والحمد على نعمة الإسلام التي حبا الله بها العالم الإسلامي ثم أخذا يشككان في صلاح هذا الإسلام وصحته بل والاتهام بفساده فالإسلام في البلاد العربية ليس هو مثل بلاد أفريقيا مثلا.

ثم إن إسلامنا الخليجي هو أتقى من العربي ثم إن الإسلام السعودي أنصع وأبهى ، ثم إن إسلام مدينتهم أقوى من إسلام البلاد السعودية كلها ثم إن حارتهم أتقى من الحواري الأخرى ثم إن إسلامهما هما ليس مثل إسلام الحارة كلها.

ثم انقلب أبو صالح يكفر أبا سليمان ويشكك في إسلامه وهكذا ضاقت الدوائر حتى ضاقت عليهما معا، في هذه النكتة دلالة على أن ثقافة تهميش الآخر وتضخيم الذات إنما هي لهب من نار ما أن تشب في طرف حتى تأتي على الكل.

إن حرب الفرقاء في لبنان اليوم ما هي سوى تجلٍ لتقسيماتنا المتأصلة في الذهنية العربية، تنكشف ألسنتها حين ندخل تجارب التعايش الحقيقي وأهمها التجربة الديمقراطية السياسية التي نلوي ذراعها ولسانها ومنطقها ونفوز باسمها، وما تصدر النعرات القبلية في انتخابات مجلس الأمة في الكويت على الرغم من تقدميته على المشهد السياسي الخليجي.

إلا كاشف لما تحت البساط العامر بمثل هذه المفاهيم النخبوية، لكنها اليوم تظهر على لسان شباب متعلم يستخدم أحدث وسائل التكنولوجيا ويجرب أمثل النظم السياسية، ويحاول أن يفهم الديمقراطية وأن يعيشها وأن يفوز بأسهمها عبر تأصيل لمفهوم القبيلة ككيان اجتماعي لا يمكن القفز عليه حتى ولو هدد هذا الكيان مفهوم الدولة والقانون، ولو قفز على مبادئ العدالة والمساواة واحترام حقوق الآخر.

الكل يريد أن يدخل للديمقراطية عبر مفاهيم لا ديمقراطية، ويمهد بالقوة الطريق لمكاسبه، لا بحسب كفاءته العلمية والإدارية بل حسب تكتلاته وميراثه الاجتماعي والثقافي، ولا بأس أن نزعم أن ما نفعله يتفق مع مفاهيم الديمقراطية.

في التجربة السعودية لانتخاب هيئات المجالس البلدية عام 2005 تم أيضا القفز على مفاهيم الديمقراطية لصالح مفهوم أيديولوجي سياسي إسلامي صادر حقوق النساء والتيارات الفكرية والاجتماعية الأخرى المختلفة عنه، استخدم كل ما أمكنه لتحويل تجربة الانتخابات لسباق سياسي تكتلت فيه القوى الإسلامية لتفوز.

ولتٌلخص التجربة الديمقراطية بفكرة «فوز بالأصوات» لا أقل ولا أكثر. هذه الأصوات لم تعبر عن أي معنى ديمقراطي آخر سوى أن تجارب العرب الديمقراطية العرب مجرد «صناديق اقتراع».

تطبيق الديمقراطية في بلادنا العربية ليس بإيجاد صناديق الاقتراع وملصقات صور المرشحين وشعارات التقوى والصلاح في الشوارع ، الديمقراطية لا تفوز ما لم تكن منهج حياة يبدأ من البيت بالتربية ويمر بالمدرسة ومناهجها ويتجلى في الشارع ومشاهده المختلطة تحت حماية القوانين التي تحمي هذه المساواة والتعددية والحقوق مهما بلغت أقلية أصحابها.

وضعفهم، التجربة الديمقراطية لن تفوز ما لم تكرس قوتها وتؤصل وجودها وحياتها بدستور شعاره الوحدة، ومثلما كان شعارنا الديني اطلبوا العلم ولو في الصين، فلماذا لا يكون شعارنا السياسي أيضا اطلبوا الوحدة ولو في الصين!

كاتبة سعودية

bdryah@gmail.com